الجمعة، 3 يوليو 2015

يوميات حرب الجنوب (9)


روايات شهود عيان عن مجزرة المنصورة عدن

السماء في عدن تمطر قذائف "هاون" وصواريخ "كاتوشا" هذا ما قاله ليّ صديقي العائد مؤخراً إليها حينما سألته عن الأوضاع هناك -كان يحدثني وهو أسفل عمارة من خمسة أدوار يملكها أحد الأقارب- ويشكو الإرهاق منذُ أيام لم يجد مكاناً للنوم وعندما سألت لماذا لا تنام بأحد الشقق العلوية؟ قال "الشقق مليان أطفال ونساء نازحين حتى صاحب العمارة يجلس معنا هنا" هكذا إذن هو حال المنصورة ومدينة إنماء السكنية وغيرها من الأحياء التي استقبلت الناجين من المعلا والتواهي وخور مكسر بعد دخول المليشيات إليها وحتى الفنادق أيضاً توقّف العمل فيها وفتحت أبوابها لإيوائهم. وهذا يعني أن كل قذيفة تسقط على هذه الأحياء المكتظة بالنازحين ستحصد عشرات الضحايا من المدنيين العُزّل أكثرهم نساء وأطفال. كنتُ قد تحدثتُ مع صديقي قبل ساعات من مجزرة المنصورة التي ارتكبتها مليشيات صالح والحوثي بنفس الليلة، ومنذُ ذلك الحين وأنا بحالة قلق على أقارب وأهل وعلى كل السكان المدنيين وكل إنسان بريء يعيش في هذه المدينة .

بعدها بساعات تواردت الأخبار عن حدوث المجزرة وتابعنا التفاصيل المروعة والصور والفيديوهات الواردة من هناك .. تابعنا ذلك بحرقة وألم كبير .. حدث ما حدث فالسقوف الأسمنتية والجدران التي احتمى فيها الأبرياء عاجزة عن حمايتهم  من وحشية العدوان وهمجيته .. تمطر السماء قذائف من فوهات المدافع وتهدم البيوت فوق ساكنيها  .. لا مجال للثرثرة والحديث الجانبي والانطباع الشخصي سأنقل روايات وقصص شهود عيان كانوا حاضرين وشاهدين على مجزرة ارتكبتها مليشيات صالح والحوثي في مديرية المنصورة .. سأنقلها هنا للتوضيح والتوثيق فما حدث فاجعة يعجز الإنسان وصف تفاصليها أو التعبير عنها.
 أبدائها بهذه الرواية:
"سقط الصاروخ الأول وعندما هرع المواطنون لإسعاف الضحايا سقط الصاروخ الثاني على مقربة منهم وهذا ما ضاعف عدد الضحايا وبعدها بعشر دقائق سقط صاروخ آخر ليسفر عن ضحايا أيضاً. لم يقف الأمر هنا بل استمر القصف في أماكن متفرقة كان المشهد مروعاً والأشلاء متناثر في المكان ونتيجة نقص سيارات الإسعاف والقصف المستمر فقد أخذت عملية الإسعاف قرابة أربع ساعات" هكذا كصورة أولية يضعنا أشرف أمام ما حدث وهو أحد الناجين من هذه المجزرة.
******************************
 أمّا سامي أحمد شاهد عيان ينقل لنا المشهد من زاوية أخرى قائلاً " سقطت "القذيفة" على فندق "رويال كونكورد" وعلى سيارة مارة بالقرب من الفندق كان فيها عائلة اعتقد أنهم كلهم ماتوا، أنا الآن بالمكان والجرحى والشهداء من كثرهم مجدَّلين على الأرض والسيارات تنقل بعضهم وبعضهم ينتظر والقصف مازال مستمراً بمكان آخر لكن مش قادر احدد بالضبط فالوضع خطير جدا"
*****************************
عمار نمر المتواجد بموقع المجزرة لحظة حدوثها كان شاهداً على بشاعة ما حدث فكتب على صفحته "قصة أرويها لكم أنا عمار من قلب الحدث .. كنت أنا وأخي حسام في شركة الصيفي للصرافة وإذ بقذيفة "هاون" تضرب الحوش بجانب الفندق أسرعنا إلى هناك .. وجدنا تجمع كبير كنّا نحاول تفريق المتجمّعين وما هي إلا ثواني وسقطت قذيفة أخرى لفتت إلى الخلف وأشاهد جثث مرمية احدها لشاب أنقسم نصفين وآخر مراهق بدون يد وأشلاء متناثرة والأرض تسيل بالدماء والعالم ينزف ولا يوجد مسعفين في البداية إلا أنا وأخي قمنا بواجبنا وأسعفنا ما استطعنا وجاء آخرين ليساعدونا ويحملون أشلاء الضحايا فيما بعد وبنفس الوقت الذي كنّا نسعف فيه الجرحى وننتشل الأشلاء سقطت قذيفة ثالثة فوق الفندق .. جسمي لا يقوى على الوقوف من هول الفاجعة .. فجأة خرجت نساء جرحى من نفس المكان لتسقط بعدها قذيفة رابعة في العمارة المقابلة للفندق لم أستحمل الموقف فهربت لأختبئ وأنتظر الواقع المرير خلاص الشعب كله بيكمل؟؟ سقطت قذيفة خامسة في بيت ببلوك 4.. بيت مليء بالنازحين يالله صوت الأطفال والنساء بكل مكان"
**********************************
"من ضمن من استشهدوا في حافتي .. أخوين .. أب وأبنته .. عيال خاله .. صديقين .. 13 جنازة خرجت من حافتي" بهذا التعبير المقتضب تصف الناشطة الحقوقية ليلى الشبيبي المشهد كانت قد كتبته على صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" لتكون شاهداً هي الأخرى على هذه الجريمة البشعة وهناك عشرات الروايات المتطابقة التي تصف فظاعة الجريمة لا يتسع المجال لذكرها.
*********************************
على ما يبدو أن المقابر قد امتلأت أيضاً ولم يعد فيها سعة للضحايا .. لا أدري أين ذهبت تلك الأرض التي خصصتها السلطات في مطلع العام الحالي كمقبرة تّتسع لمليون قبر كما أُعلن حينها وقد أثار هذا سخرية نشطاء الحراك الجنوبي على صفحات التواصل الاجتماعي بحيث اعتبروه تهديد مبطن لإثناء أبناء الجنوب عن مطالبهم باستعادة الدولة .. هل امتلأت أم أنها مجرد زوبعة؟ من المقبرة ينقل لنا ذو يزن روايتهُ قائلاً: "فقدت عزيزا في مذبحة المنصورة وديع حداد وبلوك 4 .. كنت في المقبرة قبل ساعة اكتظت مقبرة المنصورة بالمشيعين الذين جاءوا لدفن جثامين الشهداء بينهم صديقي وأخي عاطف الصومالي رحمة الله عليه .. المقبرة تضيق درجة إن القبَّار الشاب اعتذر من أناس قدموا لحجز مثوى لأبنائهم فطلب منهم التوجه إلى مقبرة الممدارة أو أبو حربه" ويتساءل ذو يزن بحرقه ووجع "يا ترى أين المنظمة الأشهر في حقوق الإنسان "هيومن رايتس" ومنظمات الأمم المتحدة لماذا لم يشجبوا ويدينوا قتل المدنيين بعدن ؟ عينهم فقط تنظر إلى صنعاء أمّا عدن فأغلقت "بخراميس وعلة خساسة الغربي" . كان يتحدث ذو يزن بلحظات توتر ووجع لم يخفي سخطه على المنظمات الدولية وتخاذلها ليس وحده من يشعر بالغبن جراء هذا التخاذل بل جميع سكان عدن والجنوب يشاطرونه ذلك ويضعون علامات استفهام عن أداء المنظمات الدولية في عدن بل عن غيابها.
******************************
المستشفيات أيضاً ليست أحسن حالاً مثلها مثل المقابر المزدحمة بالجثامين والعمائر المزدحمة بالنازحين هي أيضاً جزء من مأساة عدن ووضعها العام المزدحم بالكوارث هذه الأيام .. كان عدد الجرحى فوق طاقتها الاستيعابية فهي تعاني من نقص بالكادر الطبية والأدوية والأجهزة وانقطاع الكهرباء وإلى آخر  .. استقبلت تلك الليلة عشرات الجرحى وأطلقت نداءات الإغاثة للتبرع بالدم نُشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبالتواصل المباشر محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه .. كانت تلك الليلة وفجر ذلك اليوم كارثي بما للكلمة من معنى ومازال الرعب والهلع يتردّد صداه إلى الآن بكل أنحاء عدن من هول ما حدث.

الفاجعة في عدن كبيرة والمأساة أكبر وهذا لا يعني أننا نتحدث عن حادثة قد حدثت وأصبحت جزء من ماضينا المليء بالكوارث والمآسي بل مازال الأبرياء هناك عرضةً لقذائف وحقد المليشيات القادمة من كهوف صعدة .. ما زالت تتساقط على رؤوس الأهالي والنازحين على حد سواء عشرات القذائف بين كل وقت وآخر وتحصد الأرواح دون توقّف.. مازالت الفاجعةِ تكبر وتكبر في كل لحظة .. تتسع دائرتها إلى كل منزل وكل حي لتنال من الجميع دون استثناء أحد .. ماذا بقي لعدن بعد كل هذا الخراب والقتل إلا الأنين والوجع والمعاناة!!




الثلاثاء، 30 يونيو 2015

يوميات حرب (8)

 خرجتُ من الباب الخلفي للمكتب المؤدي إلى السكن، الممر ضيق وتتكدَّس فيه أشياء كثيرة وبالكاد يتّسع لشخص واحد، وعند عودتي -بعد أن قضيت غرضي- كانت القطة متواجدة في هذا الممر وأنا ذهنيّاً مشغول في أمور كثيرة ولم أنتبه لها.. شعرت القطة بالخطر فالجدار والباب والأشياء تحيط بها من الثلاث الجهات وأنا أمشي باتجاهها من الأمام .. هي تراجعت إلى آخر نقطة ولكنّها في الأخير صاحت بأعلى صوت وقفزت في وجهي ومن الخوف والمفاجئة وقعت على طولي بالممر .. كان الموقف مفاجئ ومروع بالنسبة ليّ ولكنّه بنفس الوقت ذكرني بأمر مهم جداً


القطة وهي حيوان غير مفكر ولا ناطق لا تعتدي على أحد ولكنّها لا تسمح لأحد أن يعتدي عليها ربما تموت في هكذا موقف وهي تقاوم ولن تقبل لأي أحد أن يدوس على ظهرها حتى وإن لم يقصدها فما بالك أن كان قاصداً إيذائُها؟

بالتأكيد ستكون أكثر وحشية في حال الاعتداء المُتعمّد عليها!

كل الكائنات الحية بما فيها الإنسان لا يُمكنها أن تتخلى عن هذا حق –حق الدفاع عن النفس-  مهما كان الأمر .. هل يفهم هذا المبدأ – مبدأ الدفاع عن النفس- المثقف "المستحمر" الذي يساوي بين المقاومة والمليشيات المعتدية؟

يذرفون دموع التماسيح على عدن  –بكتاباتهم ومنشوراتهم- ويصفو بمصطلح (الأطراف المحتربة) عند الإشارة إلى ما ترتكبه المليشيات من جرائم .. يحمّلون مقاومة أبناء عدن تبعات هذا الخراب والجرائم بنفس القدر الذي يحمّلون فيه المليشيات مع أن الحرب من طرف وأحد .. وهذا الطرف هو من يجب أن يتحمل المسؤولية جاء من الكهوف والأدغال ليفرض بالقوة ما يريد .. المساواة بين الضحية والجلاد أيّ منطق سخيف هذا!

  طبعاً هذا منطق المثقفين "المستحمرين" الذين يدّعون الاستقلالية فكيف سيكون حال الموالين؟ لا بل كيف سيكون حال البسطاء و"المبندقين"؟


الدفاع عن النفس غريزة فطرية تحملها كل الكائنات الحيَّة في هذه المعمورة .. والإنسانية على وجه الخصوص قائمة على هذا الأساس لا يكون الإنسان إنساناً متى ما تخلى عن هذا الحق وكل القوانين الوضعية والسماوية تكفل حق الدفاع عن النفس وكل الشعوب تفكر بهذا الأمر قبل التفكير بالدواء والغذاء وأي شيء ضروري في الحياة .. لا شأن لأحد أن كنتم تنازلتم برغبتكم عن هذا الحق أنتم أحرار في اختياراتكم وقبولكم بسلطة الأمر الواقع الذي فرضتها عليكم المليشيات لكن كفّوا عن تشويه تضحيات الآخرين باستخدام مصطلحات جوفاء تستعرضون فيها بلاغتكم اللغويّة وتساوون بين الضحية والجلاد هذا فقط ما نريده منكم على الأقل دعوا الأبرياء يموتون بسلام وكفاية "أستحمار" واستعراض بمصطلحاتكم المقزّزة يا مثقفي الوهم والعار.

الموت للمليشيات
واللعنة على "المستحمرين"
والنصر للمقاومة

الأحد، 28 يونيو 2015

مذكرات حرب (7)

أتواصل هذه الأيام مع الوالد المنهمك بترتيب وضع الأسرة للتكيَّف مع المُتغيرات الجديدة في هذه الحرب. كانت الطاقة الشمسية هي أول الحلول التي بادر فيها بعد أن استنفذ مادة الديزل حسب ما ابلغني وبما أن العالم هذا بكلّ تطوّره لم ينتج بعد سيارة تشتغل على الطاقة الشمسية لتكون من ضمن الحلول إذن فالحمار سيكون أحد أهم هذه الحلول المطروحة لمواجهة مشكلة المواصلات والحمير بكل تأكيد هذه الأيام عُملة صعبة لا يقدر عليها إلا مقتدر .. إذا كان سعر الطاقة الشمسية قد أرتفع أربعة أضعاف السعر الحقيقي وربما أكثر من ذلك رغم تكاليفها التشغيلية الأخرى من بطاريات وغيرها فكيف سيكون سعر الحمار الذي يدخل الخدمة من أول لحظة دون تكاليف تشغيلية؟
في أواخر السبعينات أشترى الوالد أول ماطور كهربائي وربط لأهالي القرية جميعاً مقابل مبلغ بسيط كان يدفعه كل صاحب منزل لتوفير الديزل .. في ذاك الزمن عرفت قريتنا الكهرباء -وتُعتبر خطوة كبيرة بالنسبة للأرياف رغم بدائيتها- وبعدها في عام 1981م أشترى السيارة كأول وسيلة مواصلات تدخل القرية أيضاً لخدمة الأهالي وقبلها أيضاً كان قد وفر أول تلفاز وها هو اليوم في عام 2015م يبحث عن حلول بديلة ويعود أربعين عاماً إلى الخلف بعد أن وجد نفسه بدون هذا كلّه ليس وحده بل كل القرية .
سأدع هذا الأمر فالوالد رجل عصامي سيتدبر الأمر ويجد حلولاً بديله وكذلك قريتنا .. بطيبعة الحال الإنسان الريفي بإمكانه أن يتكيَّف مع أي وضع مهما كان وتساعده في ذلك الطبيعة وتفاصيل أخرى لا مجال لذكرها بالإضافة إلى أنهُ تعوّد على قساوة الحياة منذُ الطفولة حتى وإن وصل الأمر إلى النزوح سيكون أفضل حالاً من سكان المدن وهذا ما يقودني دائماً بحديثي اليومي مع الوالد إلى التفكير بمعاناة مدينتي عدن ولحج بالذات كيف سيكون السكان هناك بهذا الوضع المأساوي إذا كانت القرى والأرياف تشكو وتعاني؟
وضع هذه المدينتين وضع استثنائي ومعاناة الناس هناك فوق ما يتصورهُ المرء. على مدى ثلاثة أشهر والمليشيات تعبث فيهما وتزهق أرواح الأبرياء وتقصف المنازل لينضم إليها مؤخراً وباء حمى الضنك فيضاعف المعاناة ويخلف مئات الضحايا وآلاف المصابين الذين لازالوا ينتظرون مصيرهم دون دواء أو مرافق صحية تستقبلهم أو منظمات دولية تغيثهم! هاتان المدينتان اللتان عرفتا الكهرباء والمواصلات والمستشفيات وجميع الخدمات قبل أن تعرفها مدنٌ كثيرة بالمنطقة اليوم يعيش سكانهما بلا كهرباء ولا ماء ولا مستشفيات قادرة على استيعاب الجرحى والمرضى بلا مواصلات أيضاً ولا مشتقات نفطية ولا أغذية فقدتا كل شيء فنزح البعض منهما وتقطّعت السبل بالبعض الآخر ليتركوا يواجهوا مصيرهم تحت قصف عنيف يطال منازلهم كل يوم ويخلف عشرات الضحايا ووباء فتاك يقضي على العشرات هو الآخر. مُريع وكارثي ما سببه غزاة كهوف مران لهاتين المدينتين بالذات .. يستحق أن يقف العالم بأسره لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه فالوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم وتتفاقم المأساة أكثر فأكثر.

أشك أن هناك ضمير في هذا العالم، الجميع يتنصل حتى المنظمات الدولية ترسل السفن يومياً لتفرغ حملتها الاغاثية في الحديدة وهناك يتم التصرف فيها وما يصل إلى هاتين المدينتين لا يلبي 5% من احتياجاتهما .. كذلك الحقوقيون خصوصا الشماليون منهم وهم المسيطرون على المنظمات الحقوقية نراهم على الإعلام وفي مشاركاتهم الدولية مع منظمات حقوقية يعرضون حتى صور الزبادي عندما تتعرض للقضف مناطقهم ويتجاهلون معاناة عدن ولحج والجنوب عموماً وهي أكثر سوءاً بل بعضهم يبرر جرائم المليشيات التي صنعت هذه المعاناة للجنوب والشمال على حداً سواء وأحسنهم حالاً يساوي بين الضحية والجلاد.

الأربعاء، 24 يونيو 2015

مذكرات حرب (6)

اليوم الثاني من مجزرة سناح شاهدتُ امرأة تقود سيارة الإسعاف وتتوغّل إلى منطقة لازال القصف عليها مستمر، آنذاك أدهشني أن تقود امرأة في الضالع سيارة -وهذا ما لم أشاهده من قبل- فما بالك أن تتوغّل إلى منطقة تتعرض لقصف همجي من قبل عصابات لا تحترم قوانين ولا قيم ولا ضمير إنساني لها..! دخلت هذه المرأة وأخذت أربعة جرحى بسيارتها وأثناء عودتها مرّت من أمامنا مسرعة في طريقها إلى المستشفى .. ذهبنا لنشاهد الجرحى فوجدناها تصول وتجول لإنقاذ حياتهم .. تتحرك في كل مكان .. تقوم بدور الطبيب والممرض .. تبعد الناس الذين تدافعوا لمشاهدة الجرحى وازدحمت بهم صالات المستشفى .. تفعل ما لا يفعله الرجال إلى أن رأيت الرجال بمقامها أقزام.

كان بجانبي حينها أحد الأصدقاء سألت عنها قال هذه زينب وشرح ليّ قصتها ودورها في كل المجالات والأنشطة وعلى وجه الخصوص إسعاف الجرحى وترتيب ومتابعة حالاتهم وتطبيبهم وإلى آخر الحديث عن دورها عن وطنيتها عن إخلاصها ووفائها وضميرها الحي عن شجاعتها يحتاج كتاب وربما كتب .. أيضاً بعد أيام _وبما أن تلك الأيام كانت أيام ساخنة- اتصلت على الصديق نشوان صاحب المعرف (حوات الجنوب) بعد أن سمعت عن سقوط جرحى لأتأكد منه قال ليّ هذا الموضوع عند زينب بعطيك رقمها لتتأكد منها هي عندها الخبر اليقين عن عددهم وحالاتهم .. لا هلال أحمر ولا صليب أخضر ولا بني ولا رمادي حتى  ولا منظمات دولية ولا هم يحزنون لكن هناك زينب المرجع والطبيب والمسعف وكل شيء.

الجانب الصحي في الضالع بشكل عام مزري جداً .. الأقسام والمستشفيات متهالكة والدواء شحيح والأجهزة معطلة والكهرباء خارج التغطية والديزل والمشتقات النفطية معدومة الأغذية أيضاً غياب المنظمات الدولية الإغاثية والصحية والضالع مُحاصرة من كل الاتجاهات وفوق هذا كله أعداد الجرحى والقتلى والمرضى فوق ما يتخيله المرء أرقام مرعبة وزينب وسط هذا الجحيم تحاول دون يأس تصارع من أجل الحياة لمرضاها وجرحاها لأهلها وأبناء وطنها .. هي وحدها من تجسد المعنى الحقيقي للمقولة المعروفة "امرأة بالف رجل"

في تواصل اليوم مع    كان يشرح ليّ عن ما حدث يوم أمس في سناح وعن عدد الجرحى الذين وصلوا إلى المستشفى وعن وضع المستشفى المزري وإلى آخر من معاناة تعيشها الضالع بصمت وتواجهها بإمكانيات محدودة وأثناء حديثنا سألته عن زينب فحدثني عن بطولات تجترحها هذه المرأة العظيمة وقص ليّ قصصاً عنها وعن دورها في هذه الأحداث الأخيرة لا تكل ولا تمل تذهب بسيارتها إلى عدن وإلى يافع وإلى كل مكان تحاول كسر الحصار وتوفير الأدوية ونقل الجرحى المستعصية حالاتهم أشياء كثيرة تقوم بها دون أن يسمع عنها أحد أو يتحدث عنها أحد بكل فخر واعتزاز نقول خلف الانتصار العظيم كانت تقف امرأة عظيمة أيضاً اسمها زينب إلى جانب أهلها ورجال مدينتها.

الخميس، 4 يونيو 2015

يوميات حرب (5)

وقفت في الإشارة على طريق كورنيش الدمام وإذ بشاب صغير من الحديدة بياع ورد، ناديته واشتري وردة منه. طرحتها أمامي هكذا دون مناسبة لها. لا صديقة ولا عشيقة ولا زوجة ولا أحباء ليّ أو بالقرب مني لأهديهم هذه الوردة ولا مناسبة لدي تتناسب مع وظيفتها في هذه الحياة ليعرف سبب اقتنائي إياها صديق الجالس بجانبي الذي سألني مباشرةً لماذا اشتريتها؟ 

قبلها بربع ساعة تقريباً قبل أن أتحرك قابلت فتاة سورية، في البداية كنت أظنّها زبون خرجت من منزلها إلى السوق لتشتري احتياجاتها ثم تعود إليه، آلمني عندما اكتشفت بالأخير إنها مُعدمة لا تملك قوت يومها تبحث عن ما يسد رمقها من الجوع .. عندما رأيت هذا الشاب اليافع يقف أمامي في الإشارة بهذا الصيف الحار كانت ما تزال صورة الفتاة عالقة في ذهني، وبنفس الوقت مازالت أتألم من هذا المشهد، وهذا الشاب أيضاً ضاعف الألم وتوجعت أكثر لأن حاله لا يقل سوءاً عنها هو الآخر مُعدم ووقوفه بهذا المكان ليس من فراغ بل للبحث عن ما يسد رمقه من الجوع.

متأكد حينها صديقي تعجب وسخر من هذا التصرّف الغريب لم يدرك ما ورائه وما أسبابه ولم يتوقّع لأنه يعرف كل تفاصيل حياتي، ويعرف كذلك إنني لا أهتم باقتناء الورود، ولم يحدث قط أن فعلت هذا من قبل. وأنا أيضاً انهمكت بتفكير عميق فاتنيّ أن أوضّح له فيما بعد لماذا اشتريتها.

أخذني هذا الموقف إلى الوطن تحديداً إلى عدن ولحج لأن ما أصاب هذه المدينتين ضرر بالغ جراء الحرب المسعورة التي يقودها الحوثيون وصالح على هناك، ذهبتُ أفكر في آلاف المدنيين الذين وصلوا جبوتي هرباً من الحرب وآخرين يعيشون الآن في المدارس والقرى والمحافظات الأخرى بعد أن دُمرت منازلهم وأصبحوا في العراء وهم لا يملكون قوت يومهم، أحرق القتلة كل شيء بدم بارد وشردوا الأهالي إلى الشتات دون وجه حق. أسئلة كثيرة تواردت وأشعلت تفكيري ماذا عن هؤلاء الآلاف؟ كيف يواجهون الجوع وهذا الصيف الحار وكيف تمرّ عليهم الأيام بقسوتها؟

تذكرت قصة المرأة العدنية التي وصلت حضرموت نازحة بعد أن فقدت كل شيء في عدن، منزلها أثاثها أشيائها العادية والثمينة كل ما تملك. خرجت هي وأبنها بثيابهم التي يلبسونها فقط ولم يتمكنوا من أخذ أي شيء آخر منه. شاهدوا بأم أعينهم لحظة احتراق منزلهم بعدما قُصف بقذائف المليشيات الحوث-فاشية ليجدوا أنفسهم بعد ذلك في حضرموت مشردين ينتظرون ما يجود به أهل الخير .. تذكرت هذه المرأة العدنية والألم يعصرني خصوصاً سؤالها المؤلم الذي وجهته للعزيزة التي نقلت ليّ القصة .. حتى وإن انتهت الحرب إلى أين سنذهب؟ فقد خسرنا كل شيء ولم يبقى لنا ما نعود إليه!

هناك أيضاً آلاف مثلها يواجهون نفس المصير ويسألون نفس السؤال ولا أحد يدري عنهم..!

هي الحرب إذن وهذه أبرز نتائجها جيش من المشردين وآخرين كثر مُعاقين غير قادرين على الحركة وأيتام وأرامل وإلى آخر من الضحايا الذين بقوا يواجهون قسوة الحياة وآخرين أقل سوء منهم غيّبتهم الحروب وتخلّصوا من هذا العبء الثقيل الذي تخلّفه .. هي الحرب إذن عبء كبير على الأحياء لا يلتفت إلى هذه التفاصيل المهمة مشعليها وتجارها ومجرميها لأنها لا تهمهم. لأنهم مشغولين بحسابات الربح والخسارة لأنهم أساسا يقتاتون على معاناة هؤلاء المعدمين الذين شُرَّدوا من أوطانهم ومنازلهم ومدنهم، لأنهم ينهبون ثروات الوطن ويرفدون بها خزائن الدول العظماء بمليارات الدولارات بشراء الأسلحة ليصنعون هذه المعاناة لأبناء الوطن وإن وجدوا أحداً من أبناء وطنهم يبيع الورد في شوارع المدن لن يلتفتوا إليه ولن يشتروا منه بل يسخرون من معاناته ويمضون قدماً في مضاعفة هذه المعاناة والدفع بآخرين ليلحقوا بهم ويصبحوا أيضاً مشردين في الشوارع يواجهون الحياة بمرارة مثلهم.

اشتريت وردة من هذا المُعدم لأجلس مع نفسي وأعيش ولو لحظات في رحاب الشعور الإنساني الذي يجف منّا يوم بعد آخر بفعل الحرب وآثارها .. قد يكون هذا المبلغ بسيط جداً لن يقدم لهُ شيئاً لمواجهة هذا الغلاء المتوحّش لكن لعلّه يعيد لهُ الأمل ليستمر في هذا الكفاح من أجل مواجهة الجوع المتنمّر الذي يحاصره من كل مكان .. اشتريت منهُ وردة بهذا المبلغ الزهيد والمضاعف عن سعرها الحقيقي أيضاً ويدفعني إلى هذا شعور إنساني ويمنعني نقيضه حرصاً وخوفاً على أوراق لا قيمة لها تغلّبت أخيراً نزعة الخير .. وهو يمدها إليّ جلستُ أتأمل في وجهه وأتذكر آلاف من الشباب أمثاله لجئوا إلى أحضان القتلة وحملوا السلاح لتنفيذ مأربهم يهتفون الموت لأمريكا الموت لإسرائيل ويقتلون الأبرياء في بيوتهم ويضاعفون مأساة الشعب المنكوب .. أتأمل في وجهه وأقول ماذا لو عاد أولئك الأغبياء إلى وعيهم وأصبح الجميع يفكر بنفس تفكيره هذا الشاب؟ ماذا لو توقفت الحروب لكان لم يحدث كل هذا الخراب؟

هذه الوردة من اليمني أبن الحديدة أهديها لكل محبي السلام لكل من يحمل مشاعر إنسانية نبيلة ولعناتي أوزعها على كل المجرمين وتجار الحروب الذين خلفوا كل هذا الدمار والخراب والمعاناة!

الجمعة، 22 مايو 2015

22مايو مأساتنا الكبرى .. مذكرات حرب(4)

كل ما أتذكره عن يوم 22 مايو وعن الوحدة هو أننا وقفنا على سطح المنزل أنا وأبي وأطلقنا الرصاص في السماء ابتهاجا بهذا اليوم قبل خمسة وعشرون عاماً؟ يومها كنتُ أنا صغيراً ولكن ألح عليّ أبي إلا أن أمسك السلاح وعندما لم أتمكن ساعدني بذلك ووضع يدي على الزناد لأطلق أول رصاصةٌ بحياتي .
ما زلتُ أتذكرها تماماً لم تكن تلك الرصاصة في السماء كما اعتقدنا بل كانت في صدري أنا .. نعم في صدري أنا فكيف أنساها؟ بل لم أكن وحدي ضحيتها كان أبي أيضاً وأخوتي وأبنائي الذين لم يكونوا آنذاك بالوجود وأبنائهم الذين لم يأتوا بعد .. تلك الرصاصة الغادرة قتلتنا جميعاً ونحنُ لا ندري.

كم هي موجعة الرصاصة التي تقتلك حياً وتعيش بعدها وأنت ميت .. وكم هي مؤلمة تلك الرصاصة التي تقتل من في الوجود ويصل مداها إلى ما هو أبعد من ذلك فتغتال أجيالاً قبل أن تطأ أقدامهم هذه الأرض .. حارقة هي تلك الرصاصة التي تحيلك إلى مأساة لتعيشها مدى العمر ويعيشها أجيالاً بعدك.. ليس ذنبي وليس ذنب أبي وإن كان هناك ذنبٌ أقترفناه فذنبنا الوحيد أننا صدَّقنا الكذبة واحتفلنا يوم مأتم.
احتفلنا حينها يوم مأتم .. احتفلنا برصاصةٍ سكنت فينا !

كيف ليّ أن أنسى ما تلاها حين كانت شاشة التلفاز تبثُّ لنا أخبار قتلاها؟
كيف لنا أن ننسى ماجد مرشد وأسماء كثيرة كانت تتردّد بين فترةٌ وأخرى؟ كيف لنا أن ننسى حين كنّا نشاهد كل يوم وجوه جديدة تطلُّ علينا ومذيع يتلو بيان نعيهم ثم ينتهي منه لتعود الأمور إلى طبيعتها ويأتي بعدها مسلسل الكبتن ماجد وغيره من المسلسلات التي أعتدنا عليها؟

طبعاً لأنّي كنتُ صغيراً لم أكن أعرف ماجد مرشد من يكون وماذا يعني ولكنني أعرف جيداً الكبتن ماجد ونتيجة لتشابه الأسماء علق بذاكرة الطفولة هذا الاسم الكبير وبقي حاضراً إلى أن استوعبته بعد فترة ! استوعبتُ ذلك يوم ما استوعبتُ أن الرصاصة سكنت صدري وعرفتُ من يكون ماجد مرشد ورفاقه.. واستوعبت معها أن أولئك أيضاً كانوا ضحايا نفس الرصاصةِ

وبعدها بأعوام قليلة كبرت الرصاصة وتوالدت فتحوّلت إلى قذائف مدفع وصوايخ وأشكال أخرى من أدوات الموت.
كالعادة في صباح ذلك اليوم حضّرت دفاتري وكتبي وذهبتُ في طريقي إلى المدرسةِ .. بعد خطوات من المنزل سمعتُ أصوات أنفجارات كبيرة فسألتُ نفسي ماذا يحدث؟ ما هذه الأصوات؟ واصلت السير إلى أن وجدت الناس محتشدة تحمل أسلحتها فنظرت إليهم متعجباً ومتسائل مع نفسي إلى أين سيذهبون؟

ألتفت يساراً شاهدت في الجبل المقابل لقريتنا سحابة سوداء وسمعتُ انفجار قوي .. أصابني الرعب وبنفس الوقت حضرت ابتسامة عريضة بعد أن أبلغني أحدهم أن المدرسة توقفت وعرفت إنني سأعود إلى المنزل لأغيّر ملابسي وأنزل للعب مع الأصدقاء. لم أكن بدايتها أفكر بشيء غير اللعب وتساؤلات بسيطة حول الحرب .. تلك اللحظات أمتزج فيها مشاعر الخوف بالفرح لم أكن مدرك لما يحدث ولم أستوعب ذلك الموقف إلا حين وجدتُ نفسي مشرداً في الخلاء هارب بعد أن سقطت قذيفة عشوائية بأطراف قريتنا ليقرّر بعدها أغلب السكان النزوح خوفاً من أي قصف قد يحدث .. استوعبت معنى أن تكون نازحاً وأن تكون البلاد في حالة حرب حينما وجدتُ نفسي نائم في العراء أسمع أصوات غريبة وأرتجف من الخوف والهلع .وعرفتُ أن الرصاصة نفسها قد كبرت وتوالدت إلى أن أصبحت بهذا الحجم الكارثي ..واستوعبت أكثر وأكثر حينما سمعت الناس يتحدثون عن إعلان الانفصال فأدركت أن الرصاصة هي الرصاصة التي أطلقناها أول يوم قد غدرت بنا وأصبحنا ضحاياها

استمرت هذه الرصاصة تشق طريقها بثبات على حساب حياتنا المادية والجسدية والروحية تخترق أجسادنا وتدمّر أملاكنا وتخرّب عقولنا ولا زالت إلى هذه اللحظة تعبث بكل شيء

أنظر الآن إلى الضحايا بالآلاف الذين سقطوا بالأيام القريبة الماضية وإلى مدننا التي أفرغها القتلة من السكان لينصبوا المتارس في أحيائها وحواريها ليتمترسوا في أركنها وأزقتها وإلى نازحونا الجوعا في الشتات..وأنظر إلى أطفالنا وشيوخنا ونسائنا المرعوبون في العراء يبحثون عن مأوى.. وأسأل ماذا عن كل هذا الذي يُرتكب بحقنا؟ وأجد الإجابة تحاصرني من كل مكان "هذا أيضاً نتيجةٌ لنفس الرصاصةِ
هي نفس الرصاصة اخترقت صدور الجميع ولم تنطفئ ومازالت في طريقها لتقتل أكبر عدداً منّا !
استوعبت بعد كل هذا الدمار أن أول رصاصة أطلقتها بحياتي كانت في صدري وأن الوحدة لم تكن إلا مجرد رصاصة تقتل كل شيء في وطني ليس ذنبي ولا ذنب أبي إنما ذنبنا الوحيد إننا احتفلنا يوم مأتم


الأربعاء، 20 مايو 2015

صباح الخير يا أبي .. مذكرات حرب (3)

صباح الخير يا أبي .. ما هذا الوجع الذي يتسلل إلى أرواحنا بأشكال مختلفة؟ لم أستوعب بعد أنني عجزتُ أن أصل إلى صوتك كالمعتاد في ظل هذا التطوَّر التكنلوجي والسهولة بالتواصل بين البشر في أنحاء المعمورة(!) أشتاق كثيراً لسماع صوتك ومتلهف جدا لذلك .. الحديث معك بالنسبة ليّ غذاء روحي يومي أكرره ثلاث مرات يوميا وأحيانا أكثر ولكن هذه المرة عجزت أن أفعل .

أبي الذي يعيش هناك في الضفة الأخرى المفصولة عن هذا العالم بفعل أحقر وأجهل حركه على وجه التاريخ انقطعتُ عنه منذُ فترة طويلة وأول مرة يحدث هذا الانقطاع .. لا أدري الآن بماذا يفكر بالضبط ولكنني متأكد أن انقطاعي عنه سيشغل حيّزاً كبير من تفكيره لعلمي بعمق العلاقة الروحية بيننا كأب وابن وكأصدقاء أيضاً .. هذا الانقطاع غير المتوقع سيشغله كثيراً بالإضافة إلى انقطاع راتبه وانقطاع الكهرباء وانقطاع الاتصالات وانقطاع المشتقات النفطية و"إنقطاعات" أخرى كثيرة تسببت فيها الحرب وحوّلت حياتهم إلى جحيم.
آخر اتصال بيننا -لم أكن أنا المتصل بل كان هو- جاء الاتصال على غير العادة أبلغني فيه عن سرقة أغراض كنت قد أرسلتها سابقاً وأنوي فتح مشروع صغير بالشراكة مع صديق آخر في عدن إلا أن الظروف الأمنية أجلت الموضوع أكثر من مرة إلى أن تم سرقتهن مؤخراً بالكامل وإجهاض الفكرة من أساسها بعد أن تعرضت العمارة التي تستضيفهن للقصف مما تسبب بدمار كبير فيها ومن ثم تعرضت للنهب ونُهب كل شيء بعد القصف مباشرةً .. هذه الأغراض لا تساوي في نظري انقطاع صوت أبي عنّي ليوم واحد .. الانقطاع الذي يؤرقني كثيراً وأطرح السؤال على نفسي بين كل لحظةٌ وأخرى بماذا يفكر أبي الآن؟ هل مازال ينتظرني أن أأتيه بالأخبار كالعادة؟

هو يعيش في قرية نائية من قرى الشعيب الضالع بعزلة عن العالم بعد أن تسببت "الانقطاعات" في عزلهم عن محيطهم وأصبحوا يعيشون في حالة مأساوية وحصار لا قبل له به.. وكان التلفون عبارة عن آخر وسليه تربطه بهذا العالم بعد موجة "الانقطاعات" المسعورة التي حاصرتهم من كل حدباً وصوب وكنت أنا من يزوَّده يومياً بالأخبار عبره، وأنقل له ما يدور وما يُقال ونتناقش بكل التفاصيل الخاصة والعامة والأهم من هذا وذاك أتطمَّن عليه وعلى جميع الأسرة يومياً .. انقطعت هذه الوسيلة واكتملت حلقات الحصار لأجد نفسي أمام ألماً جديد يفتكني. فلم يعد أبي يعلم شيء عن هذا العالم بأسره ولا أنا أعلم شيئاً عن عالمه وعنه شخصياً .. انقطعت هذه الوسيلة وبدء ليّ وكأنه يعيش بكوكب المريخ أو بكوكب آخر من هذا الكون وليس على سطح الأرض مثلنا يقدر أن يتواصل ويتواصلوا معه الآخرين .. لا علم ليّ كيف هو الآن وبماذا يفكر؟ هل ما زال العشرة لتر ديزل بحوزته؟ نصف الدبة التي كان يحتفظ فيها كاحتياط من أجل شحن التلفون كما حدثني من قبل .. ها هي قد انقطعت الشبكة وفشلت خطته لمواجهة هذه "الانقطاعات" اللعينة وها هو قد أصبح معزولاً عن هذا العالم لا علم له بما يحدث وها أنا قد أصبحتُ بعيداً عنه جداً جداً ولم أعد اسمع صوته.


جالس أفكر بعمق وحيرة لا يعلمها إلا أنا أفكر بمأساتي البسيطة جداً مقارنة بمآسي الآخرين ومصائبهم وفجائعهم وهي أيضاً فجائع لنا جميعاً لم يكن في الحسبان أن يحدث ما يحدث الآن ولم يتوقع أكبر المتشائمين أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه من سوء .. جالس أفكر بهذا الأمر وقلبي يتقطع ألماً كيف ليّ أن أواجه هذا الصباح دون أن اسمع صوت أبي؟ دون أن أعرف بماذا يفكر؟ وماذا يريد؟

صباح الخير يا أبي .. أتمنى أن تكون بخيراً كعادتك وأتمنى أن تُنقل لك رسالتي هذه حتى ولو بعد حين

مروان الجوبعي
2015/5/20