منهم من يشتاق لسحر البحر وجماله، ويتغنى بمنظره، ويحن ويتمنى أن يلحظ الغروب والشروق على ضفافه، أو سماع صوت أمواجه ليطرب نفسه التي تعوّدت على هذه الأشياء الجميلة، ولا أنكر جماليتها ورونقها.. وأيضاً هناك من يشتاق لجو المدن وأزقتها، ويتلهف لأسواقها ومتنزهاتها، وحدائقها وكل جميل فيها.
أما أنا فشوقي لا يوصف لتلك الحياة البسيطة التي تعودت عليها منذُ الصغر، لتلك القرية الحبيبةِ "ثوان" التي استلهمت الصبر والجلد والكفاح والثبات من طبيعتها، والقوة والعزة والحب والعطاء من أهلها..يكاد يقتلني الحنين إلى شعابها ووديانها، إلى أهلها وناسها البسطاء، إلى كل شيئاً جميل فيها، والتي تنقل هذه الصورة جزء منها ومن جماليتها، ويمثل العم صالح الظاهر أمامنا، أنموذج لجلد أهلها وصبرهم وكفاحهم وحبهم للأرض التي يعطوها فتعطيهم.
فل يعذرني أصدقائي من عاش في المدينة وتعوّد على البحر وأمواجه، ولم يعتاد على هذه المناظر الطبيعية التي تعبر عن القسوة الممزوجة بالجمال.. بالنسبة لي وللكثيرين من الفلاحين مثلي الذين يقطنوها، نرى أن وأديها هذا هو بمثابة البحر الذي نجالسه مع كل شروق و غروب، كما يجالس البحر عشاقه.. وأصوات العصافير وهبات النسيم التي ترافقها، هي الموسيقى التي تطرب آذاننا، وتدغدغ مشاعرنا، وتشعرنا بالهدوء، وتبعث في نفوسنا الطمأنينة، مثلها مثل الاموج وأصواتها التي تطرب عشاقها..أننا نعيش فيها أحلى اللحظات وأجملها، كلما نظرنا إليها وسمعنا موسيقاها، كلما جلسنا نحاكي الطبيعة ونتأمل فيها.
كم يتوق قلبي إلى مرافقة العم صالح، لأحمل "المفرسِ" وأحرث الأرض وأعيش الأجواء الجميلة التي يعيشوها هذه الأيام.. كم أحن وأشتاق إلى الزرع وملامسته، إلى الأرض وعناقها، إلى الأزهار وروائحها، إلى "الأودان" "والصلال" الممتلئة بالحشائش التي كنت أستلقي عليها بعد أن أشعر بالتعب والإرهاق، إلى تغاريد العصافير التي تطربني وأنسى معها كل همومي اليومية، وأنسى المتاعب والشقاء وقسوة الطبيعة بعد أن أسماعها وأنا مستلقي، أتأمل في السماء، وشيئاً من الجبال مترامية الأطراف، وكأنني أمام لوحةٌ فنيةٌ فائقة الإبداع.. هذه اللحظات الجميلة لا يشعر فيها إلا من عاشها وتعايش معها.. بعد فراقها أصبح هذا بالنسبة لي حلم أتمنى تحقيقه.
أكاد أن أموت شوقاً للعودة إليها وإلى أجوائها وطبيعتها الخلابة.
