الجمعة، 22 مايو 2015

22مايو مأساتنا الكبرى .. مذكرات حرب(4)

كل ما أتذكره عن يوم 22 مايو وعن الوحدة هو أننا وقفنا على سطح المنزل أنا وأبي وأطلقنا الرصاص في السماء ابتهاجا بهذا اليوم قبل خمسة وعشرون عاماً؟ يومها كنتُ أنا صغيراً ولكن ألح عليّ أبي إلا أن أمسك السلاح وعندما لم أتمكن ساعدني بذلك ووضع يدي على الزناد لأطلق أول رصاصةٌ بحياتي .
ما زلتُ أتذكرها تماماً لم تكن تلك الرصاصة في السماء كما اعتقدنا بل كانت في صدري أنا .. نعم في صدري أنا فكيف أنساها؟ بل لم أكن وحدي ضحيتها كان أبي أيضاً وأخوتي وأبنائي الذين لم يكونوا آنذاك بالوجود وأبنائهم الذين لم يأتوا بعد .. تلك الرصاصة الغادرة قتلتنا جميعاً ونحنُ لا ندري.

كم هي موجعة الرصاصة التي تقتلك حياً وتعيش بعدها وأنت ميت .. وكم هي مؤلمة تلك الرصاصة التي تقتل من في الوجود ويصل مداها إلى ما هو أبعد من ذلك فتغتال أجيالاً قبل أن تطأ أقدامهم هذه الأرض .. حارقة هي تلك الرصاصة التي تحيلك إلى مأساة لتعيشها مدى العمر ويعيشها أجيالاً بعدك.. ليس ذنبي وليس ذنب أبي وإن كان هناك ذنبٌ أقترفناه فذنبنا الوحيد أننا صدَّقنا الكذبة واحتفلنا يوم مأتم.
احتفلنا حينها يوم مأتم .. احتفلنا برصاصةٍ سكنت فينا !

كيف ليّ أن أنسى ما تلاها حين كانت شاشة التلفاز تبثُّ لنا أخبار قتلاها؟
كيف لنا أن ننسى ماجد مرشد وأسماء كثيرة كانت تتردّد بين فترةٌ وأخرى؟ كيف لنا أن ننسى حين كنّا نشاهد كل يوم وجوه جديدة تطلُّ علينا ومذيع يتلو بيان نعيهم ثم ينتهي منه لتعود الأمور إلى طبيعتها ويأتي بعدها مسلسل الكبتن ماجد وغيره من المسلسلات التي أعتدنا عليها؟

طبعاً لأنّي كنتُ صغيراً لم أكن أعرف ماجد مرشد من يكون وماذا يعني ولكنني أعرف جيداً الكبتن ماجد ونتيجة لتشابه الأسماء علق بذاكرة الطفولة هذا الاسم الكبير وبقي حاضراً إلى أن استوعبته بعد فترة ! استوعبتُ ذلك يوم ما استوعبتُ أن الرصاصة سكنت صدري وعرفتُ من يكون ماجد مرشد ورفاقه.. واستوعبت معها أن أولئك أيضاً كانوا ضحايا نفس الرصاصةِ

وبعدها بأعوام قليلة كبرت الرصاصة وتوالدت فتحوّلت إلى قذائف مدفع وصوايخ وأشكال أخرى من أدوات الموت.
كالعادة في صباح ذلك اليوم حضّرت دفاتري وكتبي وذهبتُ في طريقي إلى المدرسةِ .. بعد خطوات من المنزل سمعتُ أصوات أنفجارات كبيرة فسألتُ نفسي ماذا يحدث؟ ما هذه الأصوات؟ واصلت السير إلى أن وجدت الناس محتشدة تحمل أسلحتها فنظرت إليهم متعجباً ومتسائل مع نفسي إلى أين سيذهبون؟

ألتفت يساراً شاهدت في الجبل المقابل لقريتنا سحابة سوداء وسمعتُ انفجار قوي .. أصابني الرعب وبنفس الوقت حضرت ابتسامة عريضة بعد أن أبلغني أحدهم أن المدرسة توقفت وعرفت إنني سأعود إلى المنزل لأغيّر ملابسي وأنزل للعب مع الأصدقاء. لم أكن بدايتها أفكر بشيء غير اللعب وتساؤلات بسيطة حول الحرب .. تلك اللحظات أمتزج فيها مشاعر الخوف بالفرح لم أكن مدرك لما يحدث ولم أستوعب ذلك الموقف إلا حين وجدتُ نفسي مشرداً في الخلاء هارب بعد أن سقطت قذيفة عشوائية بأطراف قريتنا ليقرّر بعدها أغلب السكان النزوح خوفاً من أي قصف قد يحدث .. استوعبت معنى أن تكون نازحاً وأن تكون البلاد في حالة حرب حينما وجدتُ نفسي نائم في العراء أسمع أصوات غريبة وأرتجف من الخوف والهلع .وعرفتُ أن الرصاصة نفسها قد كبرت وتوالدت إلى أن أصبحت بهذا الحجم الكارثي ..واستوعبت أكثر وأكثر حينما سمعت الناس يتحدثون عن إعلان الانفصال فأدركت أن الرصاصة هي الرصاصة التي أطلقناها أول يوم قد غدرت بنا وأصبحنا ضحاياها

استمرت هذه الرصاصة تشق طريقها بثبات على حساب حياتنا المادية والجسدية والروحية تخترق أجسادنا وتدمّر أملاكنا وتخرّب عقولنا ولا زالت إلى هذه اللحظة تعبث بكل شيء

أنظر الآن إلى الضحايا بالآلاف الذين سقطوا بالأيام القريبة الماضية وإلى مدننا التي أفرغها القتلة من السكان لينصبوا المتارس في أحيائها وحواريها ليتمترسوا في أركنها وأزقتها وإلى نازحونا الجوعا في الشتات..وأنظر إلى أطفالنا وشيوخنا ونسائنا المرعوبون في العراء يبحثون عن مأوى.. وأسأل ماذا عن كل هذا الذي يُرتكب بحقنا؟ وأجد الإجابة تحاصرني من كل مكان "هذا أيضاً نتيجةٌ لنفس الرصاصةِ
هي نفس الرصاصة اخترقت صدور الجميع ولم تنطفئ ومازالت في طريقها لتقتل أكبر عدداً منّا !
استوعبت بعد كل هذا الدمار أن أول رصاصة أطلقتها بحياتي كانت في صدري وأن الوحدة لم تكن إلا مجرد رصاصة تقتل كل شيء في وطني ليس ذنبي ولا ذنب أبي إنما ذنبنا الوحيد إننا احتفلنا يوم مأتم


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أي تعليقات مسيئة سيتم حذفها