الأربعاء، 13 مايو 2015

كواليس زيارتنا للبيض

عند زيارتنا للبيض في مقر إقامته قبل أسبوع الناس اصطفَّوا طابور بانتظار أن يُسمح لهم بالدخول وأنا جالس أفحص الجينات من خلال التحديق في وجوه الزوَّار وربطات غترهم والتنصت على لهجاتهم إلى أنّ وصلت لنتيجة لا بأس بها عن هوية الزوَّار وجهات انتمائهم وأعمالهم وهي كالأتي : مجموعة من أبناء شبوة ومجاميع أخرى من أبين وحضرموت لحج يافع الضالع. وبنسب متفاوتة تتصدرها يافع ..لم أتمكن من الوصول إلى تفسير هل هناك أحد من عدن لكن تقريباً أبناء عدن نُدرة اغترابهم في المملكة كان له دور، من النادر أن تحصل عدني مغترب في السعودية.. أمّا المهرة ما تُعجب بالسياسة خير شر.


في المجمل ناس بسطاء وعاديين جداً البعض منهم آثار زيت المحركات في أيديه والبعض لازالت رائحة البصل في ثيابه والبعض الآخر أشعة الشمس غيّرت ملامح وجهه وهكذا كلهم من أبناء الشعب البسطاء الصادقين والمخلصين الذين يتكبدون عناء الغربة ويتمرغون في بلد الاغتراب ويعانوا الأمرين بسبب أخطاء الساسة وهفواتهم وصراعاتهم في الماضي وعلى رأسهم البيض.


قال ليّ أحدهم هذا الرجل –يقصد البيض- أملنا فيه كبير أن يتمسك بقضيتنا دون تفريط بحقوقنا وعلى رأسها استعادة الدولة بعد أن فقدنا الثقة في الآخرين
قلت: صحيح أن البيض صادق ومتمسك ولكن كما يقول المثل (يد واحده ما تصفق) الوطن بحاجة لكل أبنائه ولكل كوادره وقواه الاجتماعية والسياسية بحاجه إلى العطاس وإلى هادي وإلى ناصر وبن علي وووو إلى آخر وإذا توافق هؤلاء الساسة بتنوعهم وأحسنوا إدارة خلافاتهم بإمكانهم أن يحققوا نجاح كبير ويلعبوا أدوار مختلفة لكن بشرط أن تصب في صالح الوطن لا مانع أن تكون مواقفهم المعلنة مجرد تكتيك سياسي المهم والأهم المضمون والنتيجة النهائية أن تكون عند مستوى طموحات الشعب
قال : معك حق لكن لا حياة لمن تنادي


انتهى حوارنا فذهب هذا المسكين وبقيت أنا على الكرسي الذي جلسنا فيه معاً أفكر في كلامه وإيمانه اللا محدود من أن البيض لن يفرط بقضيته بينما يقول "لا ثقة بالآخرين" تذكرت انّه بنفس الوقت الذي رفض البيض استقبال توكل وعلي محسن بعد ما كانت هناك ترتيبات لزيارته حسب ما تناقله البعض وفتح مقر إقامته على مصرعيه لأبناء شعبه البسطاء بنفس هذا الوقت ظل مقر إقامة هادي مفتوحاً لأصحاب الكروش المنتفخة واللصوص من البركاني إلى بن دغر إلى علي محسن وغيرهم ولم يُسمح أو ربما لم يلتفت البسطاء من أبناء الجنوب بالذهاب إليه لعلمهم أنه غير مدرك بمعاناتهم ومشاكلهم وهمومهم وأنّه لن يسمح لهم بالدخول.



"حينما يقاتل المرء لكي يغتصب وينهب، قد يتوقف عن القتال إذا امتلأت جعبته، أو أنهكت قواه، ولكنه حين يحارب من أجل وطنه يمضي في حربه إلى النهاية" مش عارف ليش قفزت إلى ذاكرتي بلحظة كتابة المنشور هذه العبارة للمناضل الكبير عمر المختار ربما أن إبليس موظف بأرشيف الذاكرة وأراد أن يرسل رسالة لها هدف معين أو ربما تكون طائشة !


المهم في أول هذه الزيارة ابتدأتها فحص في الجينات، جينات الزوّار وفي نهايتها ختمتها أيضاً بفحص جينات المرافقين والمحيطين للبيض حيث دهف إبليس سؤال غبي إلى جمجمتي وجهته لـ عمر البيض أثناء جلستنا معه في فناء الفندق، عند مرور الدكتور عبدالله عبد الصمد من أمامنا قلت له :من أي مكان الدكتور عبدالله هل هو من منطقة كذا؟
طبعاً كان السؤال غبي جداً وكانت إجابة عمر البيض في قمّة الذكاء حيث قال أنا اعرف (الدكتور عبدالله فقط من فين ذي أنا ما أدقق فيها بالعادة) ..أضف إلى ذلك أن جلستنا مع عمر قرابة الساعتين كانت أشبه بجلسة تحقيق تركزت على التدقيق بأفكاره ونهجه للأمانة كان رائع وطوال هذا الفترة لم يشير من قريب أو بعيد إلى أي طرف جنوبي بتشكيك بل بدا حريصاً على تقارب الجميع ويشير إليهم بإشارات ودية.

مروان الجوبعي
2015/5/12

لا وطن عزّنا ولا طبيعة رحمتنا..!

لو مثلاً قال نزار قباني في مطلع قصيدته الأنيقة "أكتبُ من الدمام يا صديقتي" بدلاً عن "أكتبُ من بيروت يا صديقتي" مجرد اسم سينسف القصيدة من أساسها ويخرب كل معانيها الجميلة..سيكون وجوده في القصيدة اشبه بوجود الحوثي والقاعدة في مؤتمر عالمي للسلام لأن هذا الاسم أقترن بتقلب الأجواء بتطرَّف بين شدة الحرارة والبرد القارس والعواصف الرملية والرطوبة وإلى آخر ..

ما بالك أن تعيش فعليا في الدمام جسدك تكويه هذه التقلبات المناخية السيئة بتطرَّفها وبنفس الوقت يأخذ ذهنك كاظم الساهر بصوته الجميل وهو يغني هذه القصيدة ليتنقّل بك بين أزقة وأحياء ومقاهي بيروت (!) وفوق هذا يغادرك أصدقاء أعزاء كنت تقضي معهم أمتع اللحظات إلى هذه المدينة البديعة لتفتح الفيس بوك فتجد صورهم وتصيبك الدهشة بسحر طبيعتها وجمالها ..هذا هو الجحيم بعينه !

دخلت قبل قليل السيارة وكأنني دخلت "صُعد" لفحتني حرارة غير طبيعية فشغَّلت المكيف وخرجت أجري بغير شعور هارباً من شدة الحرارة لأعود إليها بعد خمس دقائق وقد اعتدلت الأجواء فيها بفعل التكييّف، شيء فوق قدرتنا على الاحتمال..! لا أدري كيف سيكون حالنا اليوم لو لم يعزّنا الكُفَّار بهذه الوسائل والاختراعات والإبداعات لمواجهتها وتخفيف وطئتها علينا ؟ ومش فاهم كيف نجازيهم باللعن والشتم بعد كل هذه الخدمات والمنافع التي قدموها للبشرية ؟

يمازحني صديقي حينما رآني أجري قائلاً: "لم تقدر على حرارة الشمس كيف لو رحت الجبهة؟" قلت " قدني جبان لكن تقتلك الرصاصة أهون من هذا الجحيم" ويعاتبني آخر بعد أن شاهد منشور ليّ قبل يومين قلت فيه عن سفري بعد شهر -حسب ما اخطط دائماً للهروب من هذه الأجواء- قال: "البلاد مجاعة وين با تسافر؟" قلت في نفسي الجوع أهون بكثير من هذا الجحيم.

نعيش لحظات عسيرة مصحوبة بكل أنواع العذاب الذهني والجسدي والنفسي لا طبيعة نستمتع بها ولا وطن مثل الأوطان نعود إليه ولا قدرة أو استعداد لدينا أن ننسى ونتجاهل معاناة أهلنا خصوصاً بهذا الظرف لنذهب إلى بيروت أو أي وجهة أخرى إن كان هناك جحيماً فهذا هو الجحيم لا غير

مروان الجوبعي2015/5/13