الأحد، 28 يونيو 2015

مذكرات حرب (7)

أتواصل هذه الأيام مع الوالد المنهمك بترتيب وضع الأسرة للتكيَّف مع المُتغيرات الجديدة في هذه الحرب. كانت الطاقة الشمسية هي أول الحلول التي بادر فيها بعد أن استنفذ مادة الديزل حسب ما ابلغني وبما أن العالم هذا بكلّ تطوّره لم ينتج بعد سيارة تشتغل على الطاقة الشمسية لتكون من ضمن الحلول إذن فالحمار سيكون أحد أهم هذه الحلول المطروحة لمواجهة مشكلة المواصلات والحمير بكل تأكيد هذه الأيام عُملة صعبة لا يقدر عليها إلا مقتدر .. إذا كان سعر الطاقة الشمسية قد أرتفع أربعة أضعاف السعر الحقيقي وربما أكثر من ذلك رغم تكاليفها التشغيلية الأخرى من بطاريات وغيرها فكيف سيكون سعر الحمار الذي يدخل الخدمة من أول لحظة دون تكاليف تشغيلية؟
في أواخر السبعينات أشترى الوالد أول ماطور كهربائي وربط لأهالي القرية جميعاً مقابل مبلغ بسيط كان يدفعه كل صاحب منزل لتوفير الديزل .. في ذاك الزمن عرفت قريتنا الكهرباء -وتُعتبر خطوة كبيرة بالنسبة للأرياف رغم بدائيتها- وبعدها في عام 1981م أشترى السيارة كأول وسيلة مواصلات تدخل القرية أيضاً لخدمة الأهالي وقبلها أيضاً كان قد وفر أول تلفاز وها هو اليوم في عام 2015م يبحث عن حلول بديلة ويعود أربعين عاماً إلى الخلف بعد أن وجد نفسه بدون هذا كلّه ليس وحده بل كل القرية .
سأدع هذا الأمر فالوالد رجل عصامي سيتدبر الأمر ويجد حلولاً بديله وكذلك قريتنا .. بطيبعة الحال الإنسان الريفي بإمكانه أن يتكيَّف مع أي وضع مهما كان وتساعده في ذلك الطبيعة وتفاصيل أخرى لا مجال لذكرها بالإضافة إلى أنهُ تعوّد على قساوة الحياة منذُ الطفولة حتى وإن وصل الأمر إلى النزوح سيكون أفضل حالاً من سكان المدن وهذا ما يقودني دائماً بحديثي اليومي مع الوالد إلى التفكير بمعاناة مدينتي عدن ولحج بالذات كيف سيكون السكان هناك بهذا الوضع المأساوي إذا كانت القرى والأرياف تشكو وتعاني؟
وضع هذه المدينتين وضع استثنائي ومعاناة الناس هناك فوق ما يتصورهُ المرء. على مدى ثلاثة أشهر والمليشيات تعبث فيهما وتزهق أرواح الأبرياء وتقصف المنازل لينضم إليها مؤخراً وباء حمى الضنك فيضاعف المعاناة ويخلف مئات الضحايا وآلاف المصابين الذين لازالوا ينتظرون مصيرهم دون دواء أو مرافق صحية تستقبلهم أو منظمات دولية تغيثهم! هاتان المدينتان اللتان عرفتا الكهرباء والمواصلات والمستشفيات وجميع الخدمات قبل أن تعرفها مدنٌ كثيرة بالمنطقة اليوم يعيش سكانهما بلا كهرباء ولا ماء ولا مستشفيات قادرة على استيعاب الجرحى والمرضى بلا مواصلات أيضاً ولا مشتقات نفطية ولا أغذية فقدتا كل شيء فنزح البعض منهما وتقطّعت السبل بالبعض الآخر ليتركوا يواجهوا مصيرهم تحت قصف عنيف يطال منازلهم كل يوم ويخلف عشرات الضحايا ووباء فتاك يقضي على العشرات هو الآخر. مُريع وكارثي ما سببه غزاة كهوف مران لهاتين المدينتين بالذات .. يستحق أن يقف العالم بأسره لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه فالوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم وتتفاقم المأساة أكثر فأكثر.

أشك أن هناك ضمير في هذا العالم، الجميع يتنصل حتى المنظمات الدولية ترسل السفن يومياً لتفرغ حملتها الاغاثية في الحديدة وهناك يتم التصرف فيها وما يصل إلى هاتين المدينتين لا يلبي 5% من احتياجاتهما .. كذلك الحقوقيون خصوصا الشماليون منهم وهم المسيطرون على المنظمات الحقوقية نراهم على الإعلام وفي مشاركاتهم الدولية مع منظمات حقوقية يعرضون حتى صور الزبادي عندما تتعرض للقضف مناطقهم ويتجاهلون معاناة عدن ولحج والجنوب عموماً وهي أكثر سوءاً بل بعضهم يبرر جرائم المليشيات التي صنعت هذه المعاناة للجنوب والشمال على حداً سواء وأحسنهم حالاً يساوي بين الضحية والجلاد.