الأربعاء، 13 مايو 2015

كواليس زيارتنا للبيض

عند زيارتنا للبيض في مقر إقامته قبل أسبوع الناس اصطفَّوا طابور بانتظار أن يُسمح لهم بالدخول وأنا جالس أفحص الجينات من خلال التحديق في وجوه الزوَّار وربطات غترهم والتنصت على لهجاتهم إلى أنّ وصلت لنتيجة لا بأس بها عن هوية الزوَّار وجهات انتمائهم وأعمالهم وهي كالأتي : مجموعة من أبناء شبوة ومجاميع أخرى من أبين وحضرموت لحج يافع الضالع. وبنسب متفاوتة تتصدرها يافع ..لم أتمكن من الوصول إلى تفسير هل هناك أحد من عدن لكن تقريباً أبناء عدن نُدرة اغترابهم في المملكة كان له دور، من النادر أن تحصل عدني مغترب في السعودية.. أمّا المهرة ما تُعجب بالسياسة خير شر.


في المجمل ناس بسطاء وعاديين جداً البعض منهم آثار زيت المحركات في أيديه والبعض لازالت رائحة البصل في ثيابه والبعض الآخر أشعة الشمس غيّرت ملامح وجهه وهكذا كلهم من أبناء الشعب البسطاء الصادقين والمخلصين الذين يتكبدون عناء الغربة ويتمرغون في بلد الاغتراب ويعانوا الأمرين بسبب أخطاء الساسة وهفواتهم وصراعاتهم في الماضي وعلى رأسهم البيض.


قال ليّ أحدهم هذا الرجل –يقصد البيض- أملنا فيه كبير أن يتمسك بقضيتنا دون تفريط بحقوقنا وعلى رأسها استعادة الدولة بعد أن فقدنا الثقة في الآخرين
قلت: صحيح أن البيض صادق ومتمسك ولكن كما يقول المثل (يد واحده ما تصفق) الوطن بحاجة لكل أبنائه ولكل كوادره وقواه الاجتماعية والسياسية بحاجه إلى العطاس وإلى هادي وإلى ناصر وبن علي وووو إلى آخر وإذا توافق هؤلاء الساسة بتنوعهم وأحسنوا إدارة خلافاتهم بإمكانهم أن يحققوا نجاح كبير ويلعبوا أدوار مختلفة لكن بشرط أن تصب في صالح الوطن لا مانع أن تكون مواقفهم المعلنة مجرد تكتيك سياسي المهم والأهم المضمون والنتيجة النهائية أن تكون عند مستوى طموحات الشعب
قال : معك حق لكن لا حياة لمن تنادي


انتهى حوارنا فذهب هذا المسكين وبقيت أنا على الكرسي الذي جلسنا فيه معاً أفكر في كلامه وإيمانه اللا محدود من أن البيض لن يفرط بقضيته بينما يقول "لا ثقة بالآخرين" تذكرت انّه بنفس الوقت الذي رفض البيض استقبال توكل وعلي محسن بعد ما كانت هناك ترتيبات لزيارته حسب ما تناقله البعض وفتح مقر إقامته على مصرعيه لأبناء شعبه البسطاء بنفس هذا الوقت ظل مقر إقامة هادي مفتوحاً لأصحاب الكروش المنتفخة واللصوص من البركاني إلى بن دغر إلى علي محسن وغيرهم ولم يُسمح أو ربما لم يلتفت البسطاء من أبناء الجنوب بالذهاب إليه لعلمهم أنه غير مدرك بمعاناتهم ومشاكلهم وهمومهم وأنّه لن يسمح لهم بالدخول.



"حينما يقاتل المرء لكي يغتصب وينهب، قد يتوقف عن القتال إذا امتلأت جعبته، أو أنهكت قواه، ولكنه حين يحارب من أجل وطنه يمضي في حربه إلى النهاية" مش عارف ليش قفزت إلى ذاكرتي بلحظة كتابة المنشور هذه العبارة للمناضل الكبير عمر المختار ربما أن إبليس موظف بأرشيف الذاكرة وأراد أن يرسل رسالة لها هدف معين أو ربما تكون طائشة !


المهم في أول هذه الزيارة ابتدأتها فحص في الجينات، جينات الزوّار وفي نهايتها ختمتها أيضاً بفحص جينات المرافقين والمحيطين للبيض حيث دهف إبليس سؤال غبي إلى جمجمتي وجهته لـ عمر البيض أثناء جلستنا معه في فناء الفندق، عند مرور الدكتور عبدالله عبد الصمد من أمامنا قلت له :من أي مكان الدكتور عبدالله هل هو من منطقة كذا؟
طبعاً كان السؤال غبي جداً وكانت إجابة عمر البيض في قمّة الذكاء حيث قال أنا اعرف (الدكتور عبدالله فقط من فين ذي أنا ما أدقق فيها بالعادة) ..أضف إلى ذلك أن جلستنا مع عمر قرابة الساعتين كانت أشبه بجلسة تحقيق تركزت على التدقيق بأفكاره ونهجه للأمانة كان رائع وطوال هذا الفترة لم يشير من قريب أو بعيد إلى أي طرف جنوبي بتشكيك بل بدا حريصاً على تقارب الجميع ويشير إليهم بإشارات ودية.

مروان الجوبعي
2015/5/12

لا وطن عزّنا ولا طبيعة رحمتنا..!

لو مثلاً قال نزار قباني في مطلع قصيدته الأنيقة "أكتبُ من الدمام يا صديقتي" بدلاً عن "أكتبُ من بيروت يا صديقتي" مجرد اسم سينسف القصيدة من أساسها ويخرب كل معانيها الجميلة..سيكون وجوده في القصيدة اشبه بوجود الحوثي والقاعدة في مؤتمر عالمي للسلام لأن هذا الاسم أقترن بتقلب الأجواء بتطرَّف بين شدة الحرارة والبرد القارس والعواصف الرملية والرطوبة وإلى آخر ..

ما بالك أن تعيش فعليا في الدمام جسدك تكويه هذه التقلبات المناخية السيئة بتطرَّفها وبنفس الوقت يأخذ ذهنك كاظم الساهر بصوته الجميل وهو يغني هذه القصيدة ليتنقّل بك بين أزقة وأحياء ومقاهي بيروت (!) وفوق هذا يغادرك أصدقاء أعزاء كنت تقضي معهم أمتع اللحظات إلى هذه المدينة البديعة لتفتح الفيس بوك فتجد صورهم وتصيبك الدهشة بسحر طبيعتها وجمالها ..هذا هو الجحيم بعينه !

دخلت قبل قليل السيارة وكأنني دخلت "صُعد" لفحتني حرارة غير طبيعية فشغَّلت المكيف وخرجت أجري بغير شعور هارباً من شدة الحرارة لأعود إليها بعد خمس دقائق وقد اعتدلت الأجواء فيها بفعل التكييّف، شيء فوق قدرتنا على الاحتمال..! لا أدري كيف سيكون حالنا اليوم لو لم يعزّنا الكُفَّار بهذه الوسائل والاختراعات والإبداعات لمواجهتها وتخفيف وطئتها علينا ؟ ومش فاهم كيف نجازيهم باللعن والشتم بعد كل هذه الخدمات والمنافع التي قدموها للبشرية ؟

يمازحني صديقي حينما رآني أجري قائلاً: "لم تقدر على حرارة الشمس كيف لو رحت الجبهة؟" قلت " قدني جبان لكن تقتلك الرصاصة أهون من هذا الجحيم" ويعاتبني آخر بعد أن شاهد منشور ليّ قبل يومين قلت فيه عن سفري بعد شهر -حسب ما اخطط دائماً للهروب من هذه الأجواء- قال: "البلاد مجاعة وين با تسافر؟" قلت في نفسي الجوع أهون بكثير من هذا الجحيم.

نعيش لحظات عسيرة مصحوبة بكل أنواع العذاب الذهني والجسدي والنفسي لا طبيعة نستمتع بها ولا وطن مثل الأوطان نعود إليه ولا قدرة أو استعداد لدينا أن ننسى ونتجاهل معاناة أهلنا خصوصاً بهذا الظرف لنذهب إلى بيروت أو أي وجهة أخرى إن كان هناك جحيماً فهذا هو الجحيم لا غير

مروان الجوبعي2015/5/13

الثلاثاء، 28 أبريل 2015

النقد الذاتي وأهميته



ممارسة النقد الذاتي شيء مهم سواء على المستوى الفردي أو الجماعات .. هنا مثلا على فيس بوك عند أي منشور ينزل أتردد أكثر من مرة قبل النشر ومع ذلك بعض المنشورات تمرُّ من حاجز هذه الرقابة الذاتية والنقد أقل ما يُقال عنها تافهة ولا معنى لها ولا مضمون -ربما هي كثيرة في نظر البعض -
 إلاّ أنه لولا النقد المستمر والتمحيص لكان الحال مشوّه أسوأ من ما هو عليه، وأيضاً في البداية كنتُ لا أجيد حتى كتابة جملة على بعضها وأخطاء لغوية فادحة بالجملة ولازلتُ إلى الآن ولكنَّها تحسنت وأصبحت أفضل من ذي قبل بفضل النقد المستمر والتمحيص

أيضاً بالعادة أكون شديد الرقابة والنقد الذاتي في علاقتي الاجتماعية أو العمل أحاول النظر من زوايا عدة أن وجد خلاف مع أحد . أشكك في أنَّ الحقّ معي مهما كانت ثقتي في ذلك .. أعتذر أحيانا وأتراجع متى ما وجدتُ نفسي مخطئاً، ورغم هذه الرقابة والنقد الذاتي الدائم أحياناً بعض الأخطاء تمرُّ من هذه الناحية ويسيطر عليَّ العناد فأصر على خطأي ولكن لولا استمرار النقد لكان الوضع أكثر سوءاً و لفقدت كثيراً من الأصدقاء والأقرباء وربما فقدتهم جميعاً ! وكذلك الحال بالنسبة للعمل والهوايات الأخرى تكون كل التصرفات تحت الرقابة والنقد الدائم محاولةٌ للوصول إلى الأفضل.

هذا الصوت الناقد والمشكك النابع من أعماقنا لهُ فضل كبير في حياتنا اليومية ولولاه ما نجحنا في أشياء كثيرة، هو الرقيب الذي يقودنا إلى الأفضل وعبره نتحاشى كثيراً من الفشل وكأن العقل البشري مركب من عنصران أساسيان أحدهما مهمته أنتاج الأفكار والآخر يوكل إليه نقدها وتمحيصها ولا يقلّ أحدهما أهمية عن الآخر.

 كذلك المجتمع أو الحركة أو المنظمة وإلى آخر من مسميات التكتلات البشرية التي يشترك فيها مجموعة من الناس مع بعض في مصير ومستقبل يشملهم جميعاً، يتكون لديهم عقل جمعي يضبط إيقاع حياتهم اليومية وعلاقاتهم مع أي مجموعات أو تكتلات أخرى ويسيَّر عملهم ويرسم خططهم المستقبلية وطموحاتهم بحيث يكون هذا العقل أشبه بالعقل الفردي عناصر فيه تنتج الأفكار وأخرى تعمل على التمحيص والنقد ومتى ما غاب عنصر النقد فأنها ستمرُّ أفكار تشوَّه هذه الجماعة أو هذا المجتمع أو التكتل فيخسر بسببها أشياء كثيرة ويختل توازنه.

كلّما زاد النقد كلّما قلَّت الأخطاء وتقلَّصت، حتى وإن كان النقد بعض الأوقات لاذعاً فهذا لا يعني أنه فقد أهميته بل يبقى مضمونه التنبيه إلى أخطاء موجودة لمراجعتها، بغض النظر عن التعبير الذي استخدمه لإيصال المعلومة فأحياناً الشخص يخاطب نفسه بعبارات جارحة عندما يمارس النقد الذاتي فيسمع أحيانا صوت في ذاته يقول "أنا غبي" إلى أن يصل أحياناً بالقول "أنا حمار" لأني لم أعمل كذا وكذا. إذن فتكثيف النقد لأي خطوة أو أي فكرة أمر صحي ومهم جداً والنقد الذاتي عنصر مهم وضروري يقودنا إلى الأفضل هذا أن كنّا نريد التطوَّر والرقي في أي عمل !

أمقت أولئك الحمقى الذين كلّما وجَّهت نقداً لمجتمعك أو لأي منظمة تندرج أنت تحت إطارها أو انتقدت أفكار وسلوك زعمائه/ا يجردونك من وطنيتك وينزعون عنك انتماءك إلى هذا المجتمع أو هذه المنظمة لأنك أشرت إلى خطأ ما أصابه/ا  ويظنون أنهم على حق دائماً وما أكثرهم وما أكثر ما نشاهده من هذه العينات الحيوانية اللا عاقلة سواءً في العالم الافتراضي أو الواقعي خصوصاً أولئك المتعصبين لفكرة معينة أو زعيم معين أو طائفة أو دين أو منطقة، ربما قد يكون أخطأ الناقد في بعض الأحيان ولكن هذا لا يعني أنَّ ينظر إليه على انهُ خارج إطار هذا المجتمع أو الحركة بسبب نقده له/ا، قد لا يجيد الناقد أو "النويقد" مهما صغر أو كبر أنتاج الأفكار وابتكار الحلول ولكن هذا لا يقلل من أهمية طرحه، مجرد إشارته إلى الخطأ بطريقة أو بأخرى يكون لهُ فضل كبير وخدمة جليلة في لفت الانتباه لتصحيح الأخطاء وتداركها.

 متى سنتواضع لبعضنا ونتعاطى بشكل إيجابي مع أي صوت ناقد ونؤمن إنَّ لا أحد كامل بعقله وإن بعضنا مُكمل لبعض؟

 إذا سلَّمنا بهذه الحقيقة سنكون بخير وسيكون مجتمعنا أفضل.. وسلام الله على عظيمنا برتراند راسل حين قال "إن مشكلة هذا العالم تكمن في أن الحمقى والمتعصبين دائما ما يشعرون بالثقة في أنفسهم ...أما العقلاء فهم يشكّون دائما في قدراتهم
."

مروان الجوبعي
2015/4/28 

الجمعة، 24 أبريل 2015

يوميات حرب (1)

أول ما دخلت اليوم شركة الزامل للصرافة التي يتم عبرها تحويل الأموال إلى فروع الكريمي في اليمن استوقفني إعلان مكتوب فيه (نعتذر لعملائنا الكرام في الجمهورية اليمنية لعدم قدرتنا على خدمتهم في عدن لحج الضالع العند يافع الحبيلين الشعيب أبين شبوة، نتيجةً للعنف الدائر هناك) بالإضافة إلى ذلك وجدت هناك أكثر من شخص ينتمون إلى هذه المناطق حوالاتهم عالقة منذُ ما يقارب أسبوعين لم يتمكن أقاربهم من استلامها لهذا السبب، وفوق هذا وذاك رواتب الموظفين الجنوبيين إلى الآن لم يستلم أي أحد راتب الشهر الماضي حسب ما عرفت من الوالد مؤخراً .

ليس هذا فحسب بل فوق هذه الأزمة المالية الخانقة التي يعشها الأهالي والحصار المفروض عليهم من كل جهة اختفت السلع الرئيسية من الأسوق مثل الدقيق وغيرها من المواد الغذائية الضرورية إذ لا يمكن حتى لمن يملك المال الحصول عليها وهذا ما يجعل الجميع دون استثناء في هذه المناطق يواجهون مأساة حقيقية في احتياجاتهم المعيشية الضرورية فكيف سيكون الحال بأمور أخرى لا تقل أهمية مثل الأدوية والمشتقات النفطية والكهرباء والماء ؟

قبل أيام أيضاً عرفت أن خالي محاصر في عدن ولم يتمكن من العودة إلى الضالع طبعاً الطرق مقطوعة والمرور فيها يعتبر نوع من المغامرة وكما حدثني أحد الأصدقاء عن مجموعة من شباب ردفان كانوا في طريق العودة من عدن إلى الحبيلين اختطفتهم المليشيات "الحوثفاشية" واقتادتهم إلى قاعدة العند وهناك أيضاً آخرين كُثُر تستخدمهم كدروع بشرية وإلى الآن لم يُعرف مصيرهم !!

هذه الأمور تُعتبر تفاصيل بسيطة من حياة الناس اليومية رغم أهميتها لأن هناك ما هو أفظع وأبشع، توجد جرائم إبادة جماعية مباشرة تقوم فيها هذه المليشيات الدموية تطغى على كل شيء وتشغل الرأي العام الداخلي والخارجي .

هذه الحالة ليست موجودة في أي محافظة أخرى من محافظات الشمال على خط حدود عام 90 حتى على مستوى المحافظات التي تناهض تواجد المليشيات "الحوثفاشية" الموظفين رواتبهم مستمرة والحياة أكثر استقرارا وعلى سبيل المثال مدينة قعطبة تبعد حوالي 10 كيلو متر عن الضالع يعيش الناس فيها بحالة طبيعية جداً بينما الضالع تعيش حالة مأساوية وعلى هذا الحال تتشابه كل المناطق الحدودية من الضالع مروراً بلحج وأبين حتى شبوة

لا مقارنة بين الوضع في الشمال وفي لجنوب فلكلاً حالة ووضعه المستقل عن الآخر حتى على مستوى التفكير الجمعي للمجتمع وتوصيف الوضع الراهن، لذلك مافيش داعي تسمَّعونا بكائيات يا مثقفي الشمال وتشبَّهوا الوضع في الشمال بما يحدث في الجنوب فهذا أيضاً ظلم آخر ترتكبونه بحق الجنوب وهناك فرق بيننا حتى في البكاء فأنتم تبكون على صواريخكم الوطنية التي يفجرها طيران التحالف ونحن في الجنوب نبكي على رؤوس أهلنا التي تفجرها صواريخكم الوطنية وشتان بين هذا وذاك !!

مروان الجوبعي
8/4/2015

الأحد، 15 مارس 2015

متى سنعود ونجد أمامنا وطن ؟

قابلت صديق هندي بعد غياب دام أكثر من عام ونصف، حسب ما حكا ليّ أنه سافر وقضى هذه الفترة في الهند، لفت انتباهي جسمه الممتلئ الذي يدل على راحته النفسية خلال الفترة التي قضاها بين الأهل والأحبةِ في وطنه. هذا ليس حصراً على الهنود فقط بل أغلب الجنسيات التي قابلتها هنا في السعودية بعد العودة من الإجازة تكون بحالة مشابهة لما هو عليه إلا اليمنيين.

من حقارة بعضنا ودناءتهم كعرب أو كيمنيين بالتحديد تجد من ينظر إلى الهندي بنظرة دونية هنا في بلد الاغتراب، على سبيل المثال ولا أنسى هذا الموقف عندما تشاجر أحد الزملاء في العمل يمني مع آخر هندي فتدخلت لفض الاشتباك وكنت محايداً وعندما عرفت أن صديقي اليمني هو المخطئ أنتقدت سلوكه، حينها صب جام غضبه عليَّ وأسرف بكيل السباب والشتائم للهنود بألفاظ عنصرية مقززة وأختتم مهرجان ألفاظه العنصرية ضد الهنود بأنّ سماهم حثالة الأرض.

قد يكون بعض سكان الهند فقراء وهم من يدفعهم العوز إلى الاغتراب أو الخروج من أرضهم للبحث عن وظيفة يقتاتون منها ولكنهم حتى وإن خرجوا منها يعودوا إليها ووجدوا أمامهم وطن يعيشون فيه بسلام، وطن يحفظ كرامتهم ويوفر لهم متطلبات الحياة الأساسية من تعليم وكهرباء وماء... وإلى آخر، يجدون أمامهم أكبر شعبٌ في هذا العالم يمارس الديمقراطية ويتداول السلطة بسلمية بعيداً عن العنف والصراع والدمار الذي يحكم حياتنا السياسية كعرب أو كيمنيين على وجّه التحديد، يجدون أمامهم عاشر اقتصاد عالمياً ونهضة تعليمية وتنموية كبيرة ووطن وشعب وجيش متماسك وملتحم، يجدون أمامهم أعراقاً وأدياناً وثقافاتٌ ولغاتٌ متنوعةِ ومختلفة تناقض بعضها بعضاً لكنها بنفس الوقت ترسم أفضل وأرقى صور التعايش بين المتناقضات، لا وجه للمقارنة بين بلداً كالهند وشعبٌ كشعب الهند وبلداً أو شعبٌ في منطقتنا العربية الحافلة بالكوارث التي ينتجها تفكير أبنائها.

لا أدري هل ينظر من يحتقر الهندي هنا إلى وجهه في المرآة كلّما دلف إلى منافذ اليمن عائداً من بلد الاغتراب وكيف تكون بشرته وجسده وهل يفعل نفس الشيء عند عودته إلى بلد الاغتراب ليشاهد بشاعة ملامحه أثناء العودة من الإجازة، ليدرك أنَّه يعود فاراً كسجين من وطنه ليقرأ مأساة الوطن في وجهه، لندع هذا وننظر إلى ما هو أعمق من هذه الشكليات، تخيل أن يواجهك وأنت عائد إلى بلدك مليشاوي وكذلك في القرن الواحد والعشرين، يستفزك بسلاحه لتدفع له ضريبة دخولك إلى وطنك.. تخيل أن تعيش الرعب وأنت تتنقل بين المدن حتى تصل إلى قريتك الريفية أو أن تعيش فترة إجازتك في مدينة يسكنها الرعب يموت أهلها الأبرياء بين كل لحظة وأخرى نتيجةً لحروب عبثية بين الأطراف السياسية أو بالأحرى المليشاوية التي تتحكم بزمام الأمور على الأرض، تخيل وأنت تعود في عصر الإنسانية إلى وطن لا دولة له ولا جيش ولا مؤسسات ولا دستور يحكمه ولا حقوق للإنسان وإلى آخر .. !!

من يحتربون بذرائع دينية أو سياسية أو مناطقية ويحولون أوطانهم إلى محرقه وينشرون الرعب في أرجاؤه هم الحثالة أما الهنود فما هم إلا أرقى البشر بنوا وطن يتفاخرون فيه ويجدونه في كل مكان، يجدونه فيه أو خارجه من خلال شركاته وصناعاته في الأسواق الدولية حتى في الفضاء الخارجي لهذا الكون الهند موجودة وفي كل مكان.

في ملامح صديقي الهندي قرأتُ ما معنى أنَّ يكون لك وطن فتنعكس في إشراقة وجهك ملامحه ومعالمه وطمأنينته، الهندي مهما كان فقرهُ فهو غني لأنهُ يملك وطن يعوضه عن كل شيء إنما الفقير هو من لا وطن له أو يشعرُ بالخوف في وطنه من يعيش تحت رحمة المليشيات والجماعات المسلحة من تسحقه جماعات العنف هذا النوع من بني الإنسان مهما كان غنياً فهو فقير جداً ولا قيمة له.
لم تعد مطالبنا ان نجد فرصة وظيفية في الوطن بل أصبحت مطالبنا اليوم أن نجد شيء أمامنا يستحق ان يُقال عنه وطن !


الأحد، 8 مارس 2015

لا تسألني عن زمني


لا تسألني عن زمنٌ .. أنا وأنتَ فيه

قد صرنا طعماً تأكلنا حروب الوكلاء

لا تسألني عن أشياءً تراها ماثلةٌ أمامك

ولا يُخفى على أحداً ما نحن فيه من بلاء

نحنُ الآن في زمنٌ .. الهارب فيه بطل

فماذا بقي لأنصاف الأبطال وللجبناء؟

نحنُ الآن في زمنٌ.. النذل فيه رجُل

فماذا بقي لأنصاف الرجال وللحقراء ؟

نحنُ الآن في زمنٌ .. يقوده الجنون

ويتوارى فيه صوت العقل والحكماء

فمن أين سيأتِ النور؟ وكيف سنرى؟

والتافهُ قد أصبحَ زعيمٌ يمجدهُ الدَّهْمَاء

وكيف سنبصرُ الحق و نعبرُ المضيق

ونحنُ نتَّبعُ الجهلةِ ونرفض العلماء ؟

لم يعد فيَّ طموحاً ولا فيّ ذرة أملاً

إن نخرجُ من النَّفق ونتنفس الصعداء

لا تسألني عن وطنٌ أسيادهُ لصوص

يسرقون أهلهم ويشبعون طمع الغرباء

ولا عن شعبٌ جاهلٌ يلهث خلفهم

غير مدرك، مصيرهُ تتقاذفهُ الأهواء

ولا تنتظر أن يشرقُ مستقبلٌ قريب

لأن المستقبل تصنعهُ جهود العظماء

أمَّا نحنُ لسنا أهلاً للحرية ولو كذبنا

فما نحنُ إلاَّ عبيداً رُكع لسفاكي دماء

لازلنا قطيعاً مملوكين في حظيرةٌ

يتقاسمها شيوخ المصالح والزعماء

نُنْسبُ للإنسانية ولكننا لسنا منها

لأنها أكبر من أن يحملها الضعفاء

لا تسألني عنيَّ فأنا واحداً مثلهم

سجين، عنوةٌ أخضعُ لمجتمع البلداء

كلَّما قلتُ رأيٌ مخالف لهم نبحوا

وضموني ظلماً إلى قائمة العملاء

مروان الجوبعي
2015/3/8م

الاثنين، 16 فبراير 2015

الضالع .. حين تستحق الحياة !

في الضالع الأشباح والموت والرعب والفجائع ينتشرون في الشوارع ضحاياهم كل يوم يصرخون ولا حياة لمن تنادي.. وفي الضالع ألسن ابتلعتها القطط وعقولاً أكلها الصدى وقيادات تافهة لا تساوي خيط حذاء وشخصيات اجتماعية تدور حول نفسها ورجالاً يموتون قهراً وجماهير عريضة تملك ذاكرة سمكه تنسى سريعاً أدمنت التصفيق، تصفَّق حتى للموت وتغضب أحياناً لكن هذا لا يدوم طويلاً .. الضالع مدينة أشباح، مدينة موت، مدينة مأساة، مدينة منكوبة سموها ما شئتم !


في تاريخها القريب والقريب جداً قصص موت بالجملة مقيدة ضد مجهول .. و مجازر مروعة مسجلة باسم قاتل معروف ومحصَّن من كل الجهات المتسلطة بالأمس كانت تحميه دولة هادي واليوم سيحميه الحوثي فهو منهم وهم منه. الضالع تبحث عن سعداوي آخر ينتمي إليها منغمس في أعماقها يذوق مرارة الموت يومياً في شوارعها لينسج لها في خياله "فرانكشتاين" آخر يجمّعه من أجزاء الضحايا ويطلقه في شوارعها لينتقم لهم وأيضا ليكشف حجم المأساة المسكوت عنها ليقرئاها كل من بقي فيه ضمير بهذا العالم ويحزن من أجلها .

في الضالع دكاترة وعباقرة وصحفيين وكتاب ووو إلى آخر من الاشخاص الذي يسمون نخب في كل العالم لكن هاجروها حتى من بقي فيها ولم يهاجر فعلياً هاجر منها روحياً لا يفكر فيها ولا يخدمها ولا يعمل من أجلها إنما يدوس ويتبول ويتبرَّز على أرضها الطاهرة، كل يوم يضع قذاراته فيها ويذهب بأفكاره لأماكن أخرى.

في الضالع حزن رابض بكل مكان ودموع تسيل .. وحجار مخضبه باللون الأحمر وتراب معجون بالدم ..ولـ الضالع أبناء في كل زقاق من هذا العالم وخصوصاً بهذا الوطن تجدهم يزعبقون.. تجذبهم المنصات كثيراً ينبحون ولا يملون يقولون أنهم يناضلوا من أجل الحرية وهم بالحقيقة واهمون فمن لا خير فيه لأهله لا خير فيه للناس.

وفي الضالع توم وجيري حكايتهم حكاية مسلسل طويل من الصراع الشخصي بين أبناء المدينة الواحدة بل بين أبناء العمومة وأبناء القبيلة الواحدة .. وفي الضالع ناس لا يساوون قيد نعجة يناديهم الناس مستشارون وفي الضالع قرد عجيب غريب يسمى محافظ وفي الضالع تفكك لا مثيل له !
متى تعود الحياة إلى هذه المدينة ؟ ومتى سينتصر أبنائها لها فهي تستحق الحياة ؟

مروان الجوبعي
15/2/2015