السبت 29 مارس 2014 01:17 مساءً
كيف يكون العدد خير من الحكمة ؟ عندما نادت الجماهير بقتل سقراط سأل هذا السؤال، وأيضا تلميذه الوفي أفلاطون كان يقول:" أن الحكم الجماهيري أو الغوغاء بحر هائج يتعذر على سفينة الدولة ركوبه والسير فيه، وكل ريح من الخطابة والشعوذة من جانب الخطباء تحرك المياه فيه وتعطل المسير. ويضيف أن الجماهير تحب المداهنة والمداجنة، وهي جائعة جداً وتواقة للعسل، وبهذا ينهض إلى الحكم أخيراً أكبر مداهن ومداجن ويدعو نفسه حامي الشعب..
ويرى أفلاطون أن الحكم الجماهيري يبدو ساراً للنظرة الأولى ولكنه يتحول إلى كارثة ونكبة، لأن الشعب ينقصه الأعداد الكافي في التعليم لاختيار أفضل الحكام وأفضل الخطط، والشعب لايفهم، ويعيد ما يخبره له زعماؤه من عبارات يحب سماعها...!
وبعيدا عن كلام الفلاسفة وحكماء الدهر إذا تأملنا في تجارب الدول القريبة منّا على سبيل المثال مصر وحروبها مع إسرائيل، صُوّر لنا الأمر أن مصر انتصرت بالحرب في أكتوبر،لكن الحقيقة أن شارون قد توغل من ثغرة وجدها بين صفوف الجيوش المصرية، فتقدم ومعه 20 الف جندي إسرائيلي إلى داخل الأراضي المصرية، قطع خطوط الإمداد وحشر الجيش المصري في سينا وحاصرة، وأيضا كان بإمكانه أن يسقط القاهرة بينما كان الجيش المصري يلهث في صحراء سينا خلف انتصاره الوهمي. تدخّل الشيطان الأمريكي مستخدما سياسة العصا والجزرة، ووضع السادات أمام خياران كلّ مِنهم أصعب من الآخر، إما أن توقع السلام وتخرج من الحرب بهيئة المنتصر، وإما أن تواصل المقامرة وسينقض شارون وجنوده على القاهرة وجيشك المحاصر سيهلك في الصحراء دون جدوى!. هنا كان لابد من وجود قائد حكيم لإنقاذ مصر وكان السادات ذلك الحكيم والقائد فاتخذ القرار الجريء حفاظا على ماء الوجه وحفاظا على مصالح مصر العلياء ولم يرفض يد أمريكا الممدودة رغم خبثها، حباً وإخلاصاً في العرب الذين يقفون موقف المتفرج. ولا إرضاءً لرغبات الجماهير التي لا تدرك حقيقة ما يجري على الأرض. حكمة السادات هي من أنقذت مصر التي ربما كانت ستغرقها رغبات مواطنيها كأخواتها..!
أما الأسد وعرفات الذين كانوا يخافون أن يغضب عليهم العرب، وشعوبهم، رفضوا السلام، فها هي سوريا اليوم يمزقها العرب أنفسهم، وها هم الحكام العرب يتاجرون بقضية فلسطين ومعانات شعبها المغلوب على أمره .. منذُ ذلك الوقت لم تتحرر الجولان ولم يحصل الفلسطينيين على أي شيء يذكر، بل أصبح اليوم الفلسطينيين والسوريين يطالبون بأقل مما كانوا سيحصلون عليه في ذلك الوقت بالسلام، ورغم هذا لم ولن تعطيهم إسرائيل ذلك القليل لأن الواقع على الأرض غير ما كان عليه .
دائماً مثل هذه القضايا المصيرية تتطلب أن تكون هناك قيادة حكيمة، وشجاعة،تملك بُعد نظر، تغتنم الفرص المتاحة أياً كانت بما يخدم هدفها الإستراتيجي ومصالح شعبها ووطنها العلياء، ليس بالضرورة أن تأخذ بعين الاعتبار رغبات وأهواء عامة الشعب، ولا أن تكون مرهونة لعواطفهم.
كما هو الحال مع الوحدة التي ذهب إليها الجنوبيين باندفاع عاطفي دون وعي وأدراك لما هم مقدمين عليه. الوضع الدولي اليوم مهيأ أن وجدت هناك قيادة حكيمة تمثل القضية الجنوبية وتستطيع استثماره والاستفادة منه بما يخدم مصالح وطنها وشعبها وقضاياه. إلى حد اللحظة ساسة صنعاء هم من يمسك زمام الأمور ويلعبون مع الدول الكبرى والإقليم بورقة الجنوب ويكسبون الكثير من التعاطف والدعم نتيجة ذلك. بينما ساسة الجنوب يفتقدون للحكمة ،غيبوا أنفسهم تماما عن المسرح الدولي ومنذ سبع سنوات وهم يدورون في حلقة مفرغة، منشغلين ببعضهم البعض، ما عدى بعض المحاولات الفردية التي لا ترتقي إلى مستوى القضية وحجمها، ولا تلقى قبولاً ولا تجاوبا معها. لا أدري لماذا تصر السياسة الجنوبية إلا أن تضرب بعضها بعضا !
مثلاً هناك من يلوح بالتوجه إلى إيران بسبب تجاهل دول الجوار المتعمد، والطرف الآخر يعارض ويسعى إلى إفشال أصحاب هذا المسعى خوفاً من دول تربطهم علاقات شخصية معها، وهذا الخوف ليس مبرراً. أذا كانت حقاً قد قررت إيران أن تساعد شعب الجنوب، أذن ما المانع !! ليس من الحكمة أن يرفض البعض أي موقف لها، إرضاءً لأي طرف إقليمي آخر، هو أصلا متخاذل يقف موقف المتفرج من قضية الجنوب.
طبعاً إن وجد هذا الدعم لابد أن يكون عبر منظمات سياسية جنوبية محترمة يقودها حكماء يوظفوا هذا الدعم بما يخدم الوطن وقضيته، لا أن تتقاسمها نخب وتستغلها لمصالح شخصية تخصها، كرواتب وإيجار شقق فاخرة وعطاءات للأقربين والموالين. وكذلك ليس من الحكمة أن يتعربد البعض ويرفض إبداء أي مرونة، تجاه المجتمع الدولي، تحت أي حجة كانت.
فهناك فرص كثيرة يضيعها السياسي الجنوبي الذي يحمل شعار "لا يعنينا" وهذا المنطق يكلف الجنوب الكثير من الفرص المتاحة على الأقل لتعزيز موقفهم والتقدم ولو خطوة إلى الأمام، والخروج من هذا الركود السياسي المخيف! الخلاصة : الجنوب بحاجة إلى قادة يملكون إرادة من نور وليس من نار، ليقودوا الشعب بالحكمة إلى بر الأمان بعيداً عن الشطط والشطحات والكذب ودغدغة مشاعر الجماهير، بعيداً عن حب الذات وتقديم المصالح الشخصية عن مصالح الوطن والشعب، الحكمة هي الحل بغيرها سيظل الجنوب ينزف وينزف وينزف إلى أن يأتيه حكماء يخلّصوه من محنته هذه.. فتشوا الأدراج وأعيدوا قراءة أفكار حكماء أهملتموها، مسدوس مثالاً !!
اقرأ المزيد من عدن الغد | الحكمة هي الحل ! http://adenalghad.net/news/98396/#.Uzn-OtK8D8I#ixzz2xaTCaIxc
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أي تعليقات مسيئة سيتم حذفها