الخميس، 4 يونيو 2015

يوميات حرب (5)

وقفت في الإشارة على طريق كورنيش الدمام وإذ بشاب صغير من الحديدة بياع ورد، ناديته واشتري وردة منه. طرحتها أمامي هكذا دون مناسبة لها. لا صديقة ولا عشيقة ولا زوجة ولا أحباء ليّ أو بالقرب مني لأهديهم هذه الوردة ولا مناسبة لدي تتناسب مع وظيفتها في هذه الحياة ليعرف سبب اقتنائي إياها صديق الجالس بجانبي الذي سألني مباشرةً لماذا اشتريتها؟ 

قبلها بربع ساعة تقريباً قبل أن أتحرك قابلت فتاة سورية، في البداية كنت أظنّها زبون خرجت من منزلها إلى السوق لتشتري احتياجاتها ثم تعود إليه، آلمني عندما اكتشفت بالأخير إنها مُعدمة لا تملك قوت يومها تبحث عن ما يسد رمقها من الجوع .. عندما رأيت هذا الشاب اليافع يقف أمامي في الإشارة بهذا الصيف الحار كانت ما تزال صورة الفتاة عالقة في ذهني، وبنفس الوقت مازالت أتألم من هذا المشهد، وهذا الشاب أيضاً ضاعف الألم وتوجعت أكثر لأن حاله لا يقل سوءاً عنها هو الآخر مُعدم ووقوفه بهذا المكان ليس من فراغ بل للبحث عن ما يسد رمقه من الجوع.

متأكد حينها صديقي تعجب وسخر من هذا التصرّف الغريب لم يدرك ما ورائه وما أسبابه ولم يتوقّع لأنه يعرف كل تفاصيل حياتي، ويعرف كذلك إنني لا أهتم باقتناء الورود، ولم يحدث قط أن فعلت هذا من قبل. وأنا أيضاً انهمكت بتفكير عميق فاتنيّ أن أوضّح له فيما بعد لماذا اشتريتها.

أخذني هذا الموقف إلى الوطن تحديداً إلى عدن ولحج لأن ما أصاب هذه المدينتين ضرر بالغ جراء الحرب المسعورة التي يقودها الحوثيون وصالح على هناك، ذهبتُ أفكر في آلاف المدنيين الذين وصلوا جبوتي هرباً من الحرب وآخرين يعيشون الآن في المدارس والقرى والمحافظات الأخرى بعد أن دُمرت منازلهم وأصبحوا في العراء وهم لا يملكون قوت يومهم، أحرق القتلة كل شيء بدم بارد وشردوا الأهالي إلى الشتات دون وجه حق. أسئلة كثيرة تواردت وأشعلت تفكيري ماذا عن هؤلاء الآلاف؟ كيف يواجهون الجوع وهذا الصيف الحار وكيف تمرّ عليهم الأيام بقسوتها؟

تذكرت قصة المرأة العدنية التي وصلت حضرموت نازحة بعد أن فقدت كل شيء في عدن، منزلها أثاثها أشيائها العادية والثمينة كل ما تملك. خرجت هي وأبنها بثيابهم التي يلبسونها فقط ولم يتمكنوا من أخذ أي شيء آخر منه. شاهدوا بأم أعينهم لحظة احتراق منزلهم بعدما قُصف بقذائف المليشيات الحوث-فاشية ليجدوا أنفسهم بعد ذلك في حضرموت مشردين ينتظرون ما يجود به أهل الخير .. تذكرت هذه المرأة العدنية والألم يعصرني خصوصاً سؤالها المؤلم الذي وجهته للعزيزة التي نقلت ليّ القصة .. حتى وإن انتهت الحرب إلى أين سنذهب؟ فقد خسرنا كل شيء ولم يبقى لنا ما نعود إليه!

هناك أيضاً آلاف مثلها يواجهون نفس المصير ويسألون نفس السؤال ولا أحد يدري عنهم..!

هي الحرب إذن وهذه أبرز نتائجها جيش من المشردين وآخرين كثر مُعاقين غير قادرين على الحركة وأيتام وأرامل وإلى آخر من الضحايا الذين بقوا يواجهون قسوة الحياة وآخرين أقل سوء منهم غيّبتهم الحروب وتخلّصوا من هذا العبء الثقيل الذي تخلّفه .. هي الحرب إذن عبء كبير على الأحياء لا يلتفت إلى هذه التفاصيل المهمة مشعليها وتجارها ومجرميها لأنها لا تهمهم. لأنهم مشغولين بحسابات الربح والخسارة لأنهم أساسا يقتاتون على معاناة هؤلاء المعدمين الذين شُرَّدوا من أوطانهم ومنازلهم ومدنهم، لأنهم ينهبون ثروات الوطن ويرفدون بها خزائن الدول العظماء بمليارات الدولارات بشراء الأسلحة ليصنعون هذه المعاناة لأبناء الوطن وإن وجدوا أحداً من أبناء وطنهم يبيع الورد في شوارع المدن لن يلتفتوا إليه ولن يشتروا منه بل يسخرون من معاناته ويمضون قدماً في مضاعفة هذه المعاناة والدفع بآخرين ليلحقوا بهم ويصبحوا أيضاً مشردين في الشوارع يواجهون الحياة بمرارة مثلهم.

اشتريت وردة من هذا المُعدم لأجلس مع نفسي وأعيش ولو لحظات في رحاب الشعور الإنساني الذي يجف منّا يوم بعد آخر بفعل الحرب وآثارها .. قد يكون هذا المبلغ بسيط جداً لن يقدم لهُ شيئاً لمواجهة هذا الغلاء المتوحّش لكن لعلّه يعيد لهُ الأمل ليستمر في هذا الكفاح من أجل مواجهة الجوع المتنمّر الذي يحاصره من كل مكان .. اشتريت منهُ وردة بهذا المبلغ الزهيد والمضاعف عن سعرها الحقيقي أيضاً ويدفعني إلى هذا شعور إنساني ويمنعني نقيضه حرصاً وخوفاً على أوراق لا قيمة لها تغلّبت أخيراً نزعة الخير .. وهو يمدها إليّ جلستُ أتأمل في وجهه وأتذكر آلاف من الشباب أمثاله لجئوا إلى أحضان القتلة وحملوا السلاح لتنفيذ مأربهم يهتفون الموت لأمريكا الموت لإسرائيل ويقتلون الأبرياء في بيوتهم ويضاعفون مأساة الشعب المنكوب .. أتأمل في وجهه وأقول ماذا لو عاد أولئك الأغبياء إلى وعيهم وأصبح الجميع يفكر بنفس تفكيره هذا الشاب؟ ماذا لو توقفت الحروب لكان لم يحدث كل هذا الخراب؟

هذه الوردة من اليمني أبن الحديدة أهديها لكل محبي السلام لكل من يحمل مشاعر إنسانية نبيلة ولعناتي أوزعها على كل المجرمين وتجار الحروب الذين خلفوا كل هذا الدمار والخراب والمعاناة!

الجمعة، 22 مايو 2015

22مايو مأساتنا الكبرى .. مذكرات حرب(4)

كل ما أتذكره عن يوم 22 مايو وعن الوحدة هو أننا وقفنا على سطح المنزل أنا وأبي وأطلقنا الرصاص في السماء ابتهاجا بهذا اليوم قبل خمسة وعشرون عاماً؟ يومها كنتُ أنا صغيراً ولكن ألح عليّ أبي إلا أن أمسك السلاح وعندما لم أتمكن ساعدني بذلك ووضع يدي على الزناد لأطلق أول رصاصةٌ بحياتي .
ما زلتُ أتذكرها تماماً لم تكن تلك الرصاصة في السماء كما اعتقدنا بل كانت في صدري أنا .. نعم في صدري أنا فكيف أنساها؟ بل لم أكن وحدي ضحيتها كان أبي أيضاً وأخوتي وأبنائي الذين لم يكونوا آنذاك بالوجود وأبنائهم الذين لم يأتوا بعد .. تلك الرصاصة الغادرة قتلتنا جميعاً ونحنُ لا ندري.

كم هي موجعة الرصاصة التي تقتلك حياً وتعيش بعدها وأنت ميت .. وكم هي مؤلمة تلك الرصاصة التي تقتل من في الوجود ويصل مداها إلى ما هو أبعد من ذلك فتغتال أجيالاً قبل أن تطأ أقدامهم هذه الأرض .. حارقة هي تلك الرصاصة التي تحيلك إلى مأساة لتعيشها مدى العمر ويعيشها أجيالاً بعدك.. ليس ذنبي وليس ذنب أبي وإن كان هناك ذنبٌ أقترفناه فذنبنا الوحيد أننا صدَّقنا الكذبة واحتفلنا يوم مأتم.
احتفلنا حينها يوم مأتم .. احتفلنا برصاصةٍ سكنت فينا !

كيف ليّ أن أنسى ما تلاها حين كانت شاشة التلفاز تبثُّ لنا أخبار قتلاها؟
كيف لنا أن ننسى ماجد مرشد وأسماء كثيرة كانت تتردّد بين فترةٌ وأخرى؟ كيف لنا أن ننسى حين كنّا نشاهد كل يوم وجوه جديدة تطلُّ علينا ومذيع يتلو بيان نعيهم ثم ينتهي منه لتعود الأمور إلى طبيعتها ويأتي بعدها مسلسل الكبتن ماجد وغيره من المسلسلات التي أعتدنا عليها؟

طبعاً لأنّي كنتُ صغيراً لم أكن أعرف ماجد مرشد من يكون وماذا يعني ولكنني أعرف جيداً الكبتن ماجد ونتيجة لتشابه الأسماء علق بذاكرة الطفولة هذا الاسم الكبير وبقي حاضراً إلى أن استوعبته بعد فترة ! استوعبتُ ذلك يوم ما استوعبتُ أن الرصاصة سكنت صدري وعرفتُ من يكون ماجد مرشد ورفاقه.. واستوعبت معها أن أولئك أيضاً كانوا ضحايا نفس الرصاصةِ

وبعدها بأعوام قليلة كبرت الرصاصة وتوالدت فتحوّلت إلى قذائف مدفع وصوايخ وأشكال أخرى من أدوات الموت.
كالعادة في صباح ذلك اليوم حضّرت دفاتري وكتبي وذهبتُ في طريقي إلى المدرسةِ .. بعد خطوات من المنزل سمعتُ أصوات أنفجارات كبيرة فسألتُ نفسي ماذا يحدث؟ ما هذه الأصوات؟ واصلت السير إلى أن وجدت الناس محتشدة تحمل أسلحتها فنظرت إليهم متعجباً ومتسائل مع نفسي إلى أين سيذهبون؟

ألتفت يساراً شاهدت في الجبل المقابل لقريتنا سحابة سوداء وسمعتُ انفجار قوي .. أصابني الرعب وبنفس الوقت حضرت ابتسامة عريضة بعد أن أبلغني أحدهم أن المدرسة توقفت وعرفت إنني سأعود إلى المنزل لأغيّر ملابسي وأنزل للعب مع الأصدقاء. لم أكن بدايتها أفكر بشيء غير اللعب وتساؤلات بسيطة حول الحرب .. تلك اللحظات أمتزج فيها مشاعر الخوف بالفرح لم أكن مدرك لما يحدث ولم أستوعب ذلك الموقف إلا حين وجدتُ نفسي مشرداً في الخلاء هارب بعد أن سقطت قذيفة عشوائية بأطراف قريتنا ليقرّر بعدها أغلب السكان النزوح خوفاً من أي قصف قد يحدث .. استوعبت معنى أن تكون نازحاً وأن تكون البلاد في حالة حرب حينما وجدتُ نفسي نائم في العراء أسمع أصوات غريبة وأرتجف من الخوف والهلع .وعرفتُ أن الرصاصة نفسها قد كبرت وتوالدت إلى أن أصبحت بهذا الحجم الكارثي ..واستوعبت أكثر وأكثر حينما سمعت الناس يتحدثون عن إعلان الانفصال فأدركت أن الرصاصة هي الرصاصة التي أطلقناها أول يوم قد غدرت بنا وأصبحنا ضحاياها

استمرت هذه الرصاصة تشق طريقها بثبات على حساب حياتنا المادية والجسدية والروحية تخترق أجسادنا وتدمّر أملاكنا وتخرّب عقولنا ولا زالت إلى هذه اللحظة تعبث بكل شيء

أنظر الآن إلى الضحايا بالآلاف الذين سقطوا بالأيام القريبة الماضية وإلى مدننا التي أفرغها القتلة من السكان لينصبوا المتارس في أحيائها وحواريها ليتمترسوا في أركنها وأزقتها وإلى نازحونا الجوعا في الشتات..وأنظر إلى أطفالنا وشيوخنا ونسائنا المرعوبون في العراء يبحثون عن مأوى.. وأسأل ماذا عن كل هذا الذي يُرتكب بحقنا؟ وأجد الإجابة تحاصرني من كل مكان "هذا أيضاً نتيجةٌ لنفس الرصاصةِ
هي نفس الرصاصة اخترقت صدور الجميع ولم تنطفئ ومازالت في طريقها لتقتل أكبر عدداً منّا !
استوعبت بعد كل هذا الدمار أن أول رصاصة أطلقتها بحياتي كانت في صدري وأن الوحدة لم تكن إلا مجرد رصاصة تقتل كل شيء في وطني ليس ذنبي ولا ذنب أبي إنما ذنبنا الوحيد إننا احتفلنا يوم مأتم


الأربعاء، 20 مايو 2015

صباح الخير يا أبي .. مذكرات حرب (3)

صباح الخير يا أبي .. ما هذا الوجع الذي يتسلل إلى أرواحنا بأشكال مختلفة؟ لم أستوعب بعد أنني عجزتُ أن أصل إلى صوتك كالمعتاد في ظل هذا التطوَّر التكنلوجي والسهولة بالتواصل بين البشر في أنحاء المعمورة(!) أشتاق كثيراً لسماع صوتك ومتلهف جدا لذلك .. الحديث معك بالنسبة ليّ غذاء روحي يومي أكرره ثلاث مرات يوميا وأحيانا أكثر ولكن هذه المرة عجزت أن أفعل .

أبي الذي يعيش هناك في الضفة الأخرى المفصولة عن هذا العالم بفعل أحقر وأجهل حركه على وجه التاريخ انقطعتُ عنه منذُ فترة طويلة وأول مرة يحدث هذا الانقطاع .. لا أدري الآن بماذا يفكر بالضبط ولكنني متأكد أن انقطاعي عنه سيشغل حيّزاً كبير من تفكيره لعلمي بعمق العلاقة الروحية بيننا كأب وابن وكأصدقاء أيضاً .. هذا الانقطاع غير المتوقع سيشغله كثيراً بالإضافة إلى انقطاع راتبه وانقطاع الكهرباء وانقطاع الاتصالات وانقطاع المشتقات النفطية و"إنقطاعات" أخرى كثيرة تسببت فيها الحرب وحوّلت حياتهم إلى جحيم.
آخر اتصال بيننا -لم أكن أنا المتصل بل كان هو- جاء الاتصال على غير العادة أبلغني فيه عن سرقة أغراض كنت قد أرسلتها سابقاً وأنوي فتح مشروع صغير بالشراكة مع صديق آخر في عدن إلا أن الظروف الأمنية أجلت الموضوع أكثر من مرة إلى أن تم سرقتهن مؤخراً بالكامل وإجهاض الفكرة من أساسها بعد أن تعرضت العمارة التي تستضيفهن للقصف مما تسبب بدمار كبير فيها ومن ثم تعرضت للنهب ونُهب كل شيء بعد القصف مباشرةً .. هذه الأغراض لا تساوي في نظري انقطاع صوت أبي عنّي ليوم واحد .. الانقطاع الذي يؤرقني كثيراً وأطرح السؤال على نفسي بين كل لحظةٌ وأخرى بماذا يفكر أبي الآن؟ هل مازال ينتظرني أن أأتيه بالأخبار كالعادة؟

هو يعيش في قرية نائية من قرى الشعيب الضالع بعزلة عن العالم بعد أن تسببت "الانقطاعات" في عزلهم عن محيطهم وأصبحوا يعيشون في حالة مأساوية وحصار لا قبل له به.. وكان التلفون عبارة عن آخر وسليه تربطه بهذا العالم بعد موجة "الانقطاعات" المسعورة التي حاصرتهم من كل حدباً وصوب وكنت أنا من يزوَّده يومياً بالأخبار عبره، وأنقل له ما يدور وما يُقال ونتناقش بكل التفاصيل الخاصة والعامة والأهم من هذا وذاك أتطمَّن عليه وعلى جميع الأسرة يومياً .. انقطعت هذه الوسيلة واكتملت حلقات الحصار لأجد نفسي أمام ألماً جديد يفتكني. فلم يعد أبي يعلم شيء عن هذا العالم بأسره ولا أنا أعلم شيئاً عن عالمه وعنه شخصياً .. انقطعت هذه الوسيلة وبدء ليّ وكأنه يعيش بكوكب المريخ أو بكوكب آخر من هذا الكون وليس على سطح الأرض مثلنا يقدر أن يتواصل ويتواصلوا معه الآخرين .. لا علم ليّ كيف هو الآن وبماذا يفكر؟ هل ما زال العشرة لتر ديزل بحوزته؟ نصف الدبة التي كان يحتفظ فيها كاحتياط من أجل شحن التلفون كما حدثني من قبل .. ها هي قد انقطعت الشبكة وفشلت خطته لمواجهة هذه "الانقطاعات" اللعينة وها هو قد أصبح معزولاً عن هذا العالم لا علم له بما يحدث وها أنا قد أصبحتُ بعيداً عنه جداً جداً ولم أعد اسمع صوته.


جالس أفكر بعمق وحيرة لا يعلمها إلا أنا أفكر بمأساتي البسيطة جداً مقارنة بمآسي الآخرين ومصائبهم وفجائعهم وهي أيضاً فجائع لنا جميعاً لم يكن في الحسبان أن يحدث ما يحدث الآن ولم يتوقع أكبر المتشائمين أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه من سوء .. جالس أفكر بهذا الأمر وقلبي يتقطع ألماً كيف ليّ أن أواجه هذا الصباح دون أن اسمع صوت أبي؟ دون أن أعرف بماذا يفكر؟ وماذا يريد؟

صباح الخير يا أبي .. أتمنى أن تكون بخيراً كعادتك وأتمنى أن تُنقل لك رسالتي هذه حتى ولو بعد حين

مروان الجوبعي
2015/5/20




الثلاثاء، 19 مايو 2015

رسالة إلى علي عنتر يوميات حرب(2)

صباح الخير يا إبليس .. هل يلتقي الموتى ؟ هذا السؤال أرهقني لأنني أحمل هماً بداخلي و أريد أن أرسل رسالة إلى الشهيد علي عنتر عبر أبنه المتوفي اليوم لأطلعه عن أحوالنا .. أريد أن أقول له بعد السلام : ماذا تريد أن تعرف عن أخبارنا ؟ ماذا تريد أن تعرف عن وطنٌ أضاعوه بعدكم الضعفاء والبُلداء؟ ماذا تريد أن تعرف عن الدولة التي بنيتموها ودفعتم دم قلوبكم من أجلها وإلى جانبكم كل أبناء الوطن؟ كل شيء جميل تسأل عنه تبخر وأصبحت الأجيال في الشتات ومن بقي اليوم يُقتل.
ماذا تريد أن تعرف عن الضالع؟ الضالع جريحة وجرحها عميق .. حزينة وحزنها أعمق .. تتألم كل يوم ولكنَّها ما زالت بذلك الكبرياء والشموخ لم تنكسر .. تودّع قوافل الشهداء كل لحظة ولكنّها بنفس الوقت تنجب أبطالاً آخرين .. ألم تصل إليك طلائعهم؟
الضالع في هذا الصباح الذي أكتب إليك فيه تستنشق الأُكسجين ممزوجٌ بالبارود وأيضاً لم يعد يُسمع في صباحها أصوات العصافير كأي مدينة في هذا العالم .. صوت الرصاص وصوت المدافع طغى على كل صوتٌ جميل فيها .. هل تتذكر كيف كان يبدو صباحها جميلاً في الماضي؟ هل ما زالت ذاكرتك تحتفظ بمشاهدها الصباحية والضباب والسحاب الأبيض يغطي وديانها ويعانق جبالها والندى يعتصرُ منها ويعطّر المدينة؟
الآن لوَّث القتلة بقذائف حقدهم أجوائها واختفى هذا المشهد البديع وأصبحت تغطَّي سمائها سحبٌ سوداء تعتصرُ منها سمومٌ قاتلة يستنشقها الناس فيها كل يوم .. ظهيرتها ومساؤها أيضا ليسُ أحسن حالاً من صباحها .. كل شيئاً فيها مُعدم وغير قابل للحياة لكنَّها تعيش وكلما أمّعن أعدائها بالقتل وأرادوا لها الهلاك تتشبث أكثر وأكثر بالحياة.
هي الضالع التي تعرفها لم تتغيّر أبداً .. هي أنت وأنت هي .. نعم غاب جسدك عنها ولكن روحك تسربت إلى أجيالها وها أنا أشعر بك حياً تتحرك بكل شبر فيها.
لا تقلق دار الحيد ورمزها التاريخي لم يسقط ولن يسقط ما زال شاهداً على حقد وحقارة الأعداء وسيظل إلى الأبد يذكّر الأجيال ما فعله هؤلاء الأوغاد.
في أكبر المجازر التي أرتكبها القتلة فيها، مجزرة سناح .. شاهدتُ بعيني نساء هذه المدينة الصامدة أثناء التشييع يصطفّنّ على طول الخط العام وهنّ يرفعنّ الأعلام والشعارات الوطنية نفس الشعارات التي كنت أنت تحملها نفس ألوان العلم الذي كنت تقبَّله وترفعه في كل مكان .. سمعتهنّ بأذني يزغردن يوم توافد كل الجنوب إلى مدينتك ليحملوا على أكتافهم أكثر من عشرين شهيداً دفعةً واحدة من ضمنهم أطفال وشيوخ قتلهم الغزاة في مخيم عزاء وهم آمنين.. سمعنا يومها زغاريدهنّ ولم نسمع نواحا رغم هول الفاجعة وعمق الحزن .. هذا الخبر بالتأكيد سيسعدك كثيراً ولكن هناك أيضاً أخباراً أخرى بخصوص المجزرة ستزعجك جداً
طبعاً لا شك أن عندك الخبر اليقين بخصوص مرتكبي المجزرة وتفاصيلها الأخرى ولكن هناك أمراً جلل أُخفي عنك .. هل تدري عن أسوأ ما فيها ؟ أسوأ ما فيها أن أبنك جهاد كان يومها وبعدها وقبلها يجلس على موائد القتلة ويعيش على فتاتهم ولم نسمع له أي موقف .. أكيد هذه الحقيقة ستشكّل صدمة بالنسبة لك (!)
أدرك أن هذا سيزعجك جداً وسيثير غضبك لأنك شجاعاً لا تقبل أن تسمع في أي مواطن من أبناء وطنك مثل هذا الكلام فما بالك أن تسمع مثلهُ عن أحد أبناؤك !!! ولكن لا عليك رغم سوء هذا الخبر ثق تماماً أن الضالع هي الضالع لم تتغيّر وأن هناك أبطالاً كثر يتسابقون من أجل الدفاع عن وطنٌ أوصيتهم فيه.
مضطر أن أتوقف الآن هنا رغم أن في جعبتي الكثير من الأمور لأسردها لكن إبليس مؤخراً أبلغني أن الموتى لا يلتقون وأن ردفان سيكون بعيداً عن أبيه وان المسافر إلى العدم لا يُسمح لهُ بحمل الرسائل .. إذن وداعاً يا ردفان فلم أجد من أعزيه فيك لذا استدعيت من يستحق العزاء والمناجاة استدعيت من يستحق الكتابة والتوثيق باسمه .. وداعاً فموتك اليوم جاء ونحن في حالة حداد وحزن مفتوح لا يتوقف ودموعنا تحجّرت من عمق الحزن وشدة الألم

مروان الجوبعي
2015/5/19


السبت، 16 مايو 2015

ماذا عنك

ماذا عنك

هل مازلت أنت .. أنت

أم أن شيء قد تغيّر؟

هل ما زالت الأحلام تسكنك

والطموحات والآمال

أم أن كل شيئاً قد تبخّر؟

هل ما زلت بنفس الجمال

وقلبك هل ما زال نقي

أم أن كلّ جميلًٌ فيك تبعثر؟

هل؟ ..وهل؟.. وهل؟

أسئلة كثيرة تشغل ذهني

أريد أن أفهم ما وراء هذا الصمت

أريد أن أفهم ما وراء هذا الجفاف

أنا أشكُّ كثيراً جداً

وكثيراً ما يرهقُني شكي

أريد أن أعرف هل أنت .. أنت

أم أنك اليوم غير ما كنت

وقد صدق فيك شكي؟

في معمعة هذه الحرب

رغم ضراوتها

لا أخشى الرصاص

لأن الرصاص رحيمٌ

حتى وإن أصاب بمقتل

بل أخشى ما وراء الصمت

لأن الصمت خبيثٌ.. حين يقتل
مروان الجوبعي
2015/5/16


خلوة مع البحر

في جلستنا الصباحية على غير العادة قلتُ للبحر وجودك يا بحر في عالمنا سبَّب أزمات كثيرة وصراعات مستمرة .. يا بحر كان العدوان الثلاثي على مصر بسببك وقامت حروب كثيرة في هذا العالم لا حصر لها، وسقط ضحايا كُثر من أجلك، حتى إيران اليوم أفسدت كل شيء جميل في اليمن من أجل عينيك.. يا بحر تخيل لو أنّ هذا العالم يعيش بدونك..! هل كان سيحدث هذا ؟ يابحر أرجوك أنسحب من المشهد ودعنا نعيش بسلام لا نريد جمبري ولا أسماك ولا أصداف ولا لؤلؤ ولا نريد أنّ يكون لجغرافيتنا مكانة أستراتيجية أو منافذ مهمة عالمياً.. بعد اليوم يكفينا أنّ نعيش بسلام.

قهقه البحر ضاحكاً، ثم قال: ايوه ايوه حملها كندش .

يا عزيزي لو افترضنا أنَّي لم أكن موجوداً في عالمكم ستختلقون ألف حجّة ومليون سبب للصراع .. هكذا هو حالكم لا يستطيع أن يعيش الإنسان بدون صراع..أنظر كيف تتصارعون على الرب وعلى الأرض وعلى الدين وعلى المذهب وعلى الذهب وعلى وعلى وعلى.


 هل تريد أن تختفي كل هذه الأشياء ؟

هل تريدون ان تبقوا لوحدكم فكيف ستعيشون وعلى ماذا ستقفون؟

حتى الأرض التي تقفون فيها تتصارع عليها الدول وتتصارع عليها فئات المجتمع الواحد وتتصارع عليها الأسرة الواحدة.. لا يتوقف أبداً شرهكم وهوسكم بالصراع.


 أيضاً حتى وأن اختفى كل شيء وبقيتم لوحدكم لن تقفوا عند هذا الحد ستختلقون ألف حجة ومليون سبب وستدخلون صراعات جديدة .

ثم قال قبل أن يدير ظهره ويصمت: يا عزيزي ثق تماماً أنكم كبشر خلف أي مصيبة في هذا الكون .. لماذا لا تنسحبون أنتم من المشهد وتتركون للطبيعة تأخذ مجراها وتتركون هذا الكون يعيش بسلام دائم؟


كانت حجج البحر أقوى من حججي فانسحبت من هذا النقاش بهدوء وعدت أدراجي مطأطأ الرأس أجر الخزي والعار خلفي مما يصنعه الإنسان !






الأربعاء، 13 مايو 2015

كواليس زيارتنا للبيض

عند زيارتنا للبيض في مقر إقامته قبل أسبوع الناس اصطفَّوا طابور بانتظار أن يُسمح لهم بالدخول وأنا جالس أفحص الجينات من خلال التحديق في وجوه الزوَّار وربطات غترهم والتنصت على لهجاتهم إلى أنّ وصلت لنتيجة لا بأس بها عن هوية الزوَّار وجهات انتمائهم وأعمالهم وهي كالأتي : مجموعة من أبناء شبوة ومجاميع أخرى من أبين وحضرموت لحج يافع الضالع. وبنسب متفاوتة تتصدرها يافع ..لم أتمكن من الوصول إلى تفسير هل هناك أحد من عدن لكن تقريباً أبناء عدن نُدرة اغترابهم في المملكة كان له دور، من النادر أن تحصل عدني مغترب في السعودية.. أمّا المهرة ما تُعجب بالسياسة خير شر.


في المجمل ناس بسطاء وعاديين جداً البعض منهم آثار زيت المحركات في أيديه والبعض لازالت رائحة البصل في ثيابه والبعض الآخر أشعة الشمس غيّرت ملامح وجهه وهكذا كلهم من أبناء الشعب البسطاء الصادقين والمخلصين الذين يتكبدون عناء الغربة ويتمرغون في بلد الاغتراب ويعانوا الأمرين بسبب أخطاء الساسة وهفواتهم وصراعاتهم في الماضي وعلى رأسهم البيض.


قال ليّ أحدهم هذا الرجل –يقصد البيض- أملنا فيه كبير أن يتمسك بقضيتنا دون تفريط بحقوقنا وعلى رأسها استعادة الدولة بعد أن فقدنا الثقة في الآخرين
قلت: صحيح أن البيض صادق ومتمسك ولكن كما يقول المثل (يد واحده ما تصفق) الوطن بحاجة لكل أبنائه ولكل كوادره وقواه الاجتماعية والسياسية بحاجه إلى العطاس وإلى هادي وإلى ناصر وبن علي وووو إلى آخر وإذا توافق هؤلاء الساسة بتنوعهم وأحسنوا إدارة خلافاتهم بإمكانهم أن يحققوا نجاح كبير ويلعبوا أدوار مختلفة لكن بشرط أن تصب في صالح الوطن لا مانع أن تكون مواقفهم المعلنة مجرد تكتيك سياسي المهم والأهم المضمون والنتيجة النهائية أن تكون عند مستوى طموحات الشعب
قال : معك حق لكن لا حياة لمن تنادي


انتهى حوارنا فذهب هذا المسكين وبقيت أنا على الكرسي الذي جلسنا فيه معاً أفكر في كلامه وإيمانه اللا محدود من أن البيض لن يفرط بقضيته بينما يقول "لا ثقة بالآخرين" تذكرت انّه بنفس الوقت الذي رفض البيض استقبال توكل وعلي محسن بعد ما كانت هناك ترتيبات لزيارته حسب ما تناقله البعض وفتح مقر إقامته على مصرعيه لأبناء شعبه البسطاء بنفس هذا الوقت ظل مقر إقامة هادي مفتوحاً لأصحاب الكروش المنتفخة واللصوص من البركاني إلى بن دغر إلى علي محسن وغيرهم ولم يُسمح أو ربما لم يلتفت البسطاء من أبناء الجنوب بالذهاب إليه لعلمهم أنه غير مدرك بمعاناتهم ومشاكلهم وهمومهم وأنّه لن يسمح لهم بالدخول.



"حينما يقاتل المرء لكي يغتصب وينهب، قد يتوقف عن القتال إذا امتلأت جعبته، أو أنهكت قواه، ولكنه حين يحارب من أجل وطنه يمضي في حربه إلى النهاية" مش عارف ليش قفزت إلى ذاكرتي بلحظة كتابة المنشور هذه العبارة للمناضل الكبير عمر المختار ربما أن إبليس موظف بأرشيف الذاكرة وأراد أن يرسل رسالة لها هدف معين أو ربما تكون طائشة !


المهم في أول هذه الزيارة ابتدأتها فحص في الجينات، جينات الزوّار وفي نهايتها ختمتها أيضاً بفحص جينات المرافقين والمحيطين للبيض حيث دهف إبليس سؤال غبي إلى جمجمتي وجهته لـ عمر البيض أثناء جلستنا معه في فناء الفندق، عند مرور الدكتور عبدالله عبد الصمد من أمامنا قلت له :من أي مكان الدكتور عبدالله هل هو من منطقة كذا؟
طبعاً كان السؤال غبي جداً وكانت إجابة عمر البيض في قمّة الذكاء حيث قال أنا اعرف (الدكتور عبدالله فقط من فين ذي أنا ما أدقق فيها بالعادة) ..أضف إلى ذلك أن جلستنا مع عمر قرابة الساعتين كانت أشبه بجلسة تحقيق تركزت على التدقيق بأفكاره ونهجه للأمانة كان رائع وطوال هذا الفترة لم يشير من قريب أو بعيد إلى أي طرف جنوبي بتشكيك بل بدا حريصاً على تقارب الجميع ويشير إليهم بإشارات ودية.

مروان الجوبعي
2015/5/12