وقفت في الإشارة على طريق كورنيش الدمام وإذ بشاب صغير من الحديدة بياع ورد، ناديته واشتري وردة منه. طرحتها أمامي هكذا دون مناسبة لها. لا صديقة ولا عشيقة ولا زوجة ولا أحباء ليّ أو بالقرب مني لأهديهم هذه الوردة ولا مناسبة لدي تتناسب مع وظيفتها في هذه الحياة ليعرف سبب اقتنائي إياها صديق الجالس بجانبي الذي سألني مباشرةً لماذا اشتريتها؟ قبلها بربع ساعة تقريباً قبل أن أتحرك قابلت فتاة سورية، في البداية كنت أظنّها زبون خرجت من منزلها إلى السوق لتشتري احتياجاتها ثم تعود إليه، آلمني عندما اكتشفت بالأخير إنها مُعدمة لا تملك قوت يومها تبحث عن ما يسد رمقها من الجوع .. عندما رأيت هذا الشاب اليافع يقف أمامي في الإشارة بهذا الصيف الحار كانت ما تزال صورة الفتاة عالقة في ذهني، وبنفس الوقت مازالت أتألم من هذا المشهد، وهذا الشاب أيضاً ضاعف الألم وتوجعت أكثر لأن حاله لا يقل سوءاً عنها هو الآخر مُعدم ووقوفه بهذا المكان ليس من فراغ بل للبحث عن ما يسد رمقه من الجوع.
متأكد حينها صديقي تعجب وسخر من هذا التصرّف الغريب لم يدرك ما ورائه وما أسبابه ولم يتوقّع لأنه يعرف كل تفاصيل حياتي، ويعرف كذلك إنني لا أهتم باقتناء الورود، ولم يحدث قط أن فعلت هذا من قبل. وأنا أيضاً انهمكت بتفكير عميق فاتنيّ أن أوضّح له فيما بعد لماذا اشتريتها.
أخذني هذا الموقف إلى الوطن تحديداً إلى عدن ولحج لأن ما أصاب هذه المدينتين ضرر بالغ جراء الحرب المسعورة التي يقودها الحوثيون وصالح على هناك، ذهبتُ أفكر في آلاف المدنيين الذين وصلوا جبوتي هرباً من الحرب وآخرين يعيشون الآن في المدارس والقرى والمحافظات الأخرى بعد أن دُمرت منازلهم وأصبحوا في العراء وهم لا يملكون قوت يومهم، أحرق القتلة كل شيء بدم بارد وشردوا الأهالي إلى الشتات دون وجه حق. أسئلة كثيرة تواردت وأشعلت تفكيري ماذا عن هؤلاء الآلاف؟ كيف يواجهون الجوع وهذا الصيف الحار وكيف تمرّ عليهم الأيام بقسوتها؟
تذكرت قصة المرأة العدنية التي وصلت حضرموت نازحة بعد أن فقدت كل شيء في عدن، منزلها أثاثها أشيائها العادية والثمينة كل ما تملك. خرجت هي وأبنها بثيابهم التي يلبسونها فقط ولم يتمكنوا من أخذ أي شيء آخر منه. شاهدوا بأم أعينهم لحظة احتراق منزلهم بعدما قُصف بقذائف المليشيات الحوث-فاشية ليجدوا أنفسهم بعد ذلك في حضرموت مشردين ينتظرون ما يجود به أهل الخير .. تذكرت هذه المرأة العدنية والألم يعصرني خصوصاً سؤالها المؤلم الذي وجهته للعزيزة التي نقلت ليّ القصة .. حتى وإن انتهت الحرب إلى أين سنذهب؟ فقد خسرنا كل شيء ولم يبقى لنا ما نعود إليه!
هناك أيضاً آلاف مثلها يواجهون نفس المصير ويسألون نفس السؤال ولا أحد يدري عنهم..!
هي الحرب إذن وهذه أبرز نتائجها جيش من المشردين وآخرين كثر مُعاقين غير قادرين على الحركة وأيتام وأرامل وإلى آخر من الضحايا الذين بقوا يواجهون قسوة الحياة وآخرين أقل سوء منهم غيّبتهم الحروب وتخلّصوا من هذا العبء الثقيل الذي تخلّفه .. هي الحرب إذن عبء كبير على الأحياء لا يلتفت إلى هذه التفاصيل المهمة مشعليها وتجارها ومجرميها لأنها لا تهمهم. لأنهم مشغولين بحسابات الربح والخسارة لأنهم أساسا يقتاتون على معاناة هؤلاء المعدمين الذين شُرَّدوا من أوطانهم ومنازلهم ومدنهم، لأنهم ينهبون ثروات الوطن ويرفدون بها خزائن الدول العظماء بمليارات الدولارات بشراء الأسلحة ليصنعون هذه المعاناة لأبناء الوطن وإن وجدوا أحداً من أبناء وطنهم يبيع الورد في شوارع المدن لن يلتفتوا إليه ولن يشتروا منه بل يسخرون من معاناته ويمضون قدماً في مضاعفة هذه المعاناة والدفع بآخرين ليلحقوا بهم ويصبحوا أيضاً مشردين في الشوارع يواجهون الحياة بمرارة مثلهم.
اشتريت وردة من هذا المُعدم لأجلس مع نفسي وأعيش ولو لحظات في رحاب الشعور الإنساني الذي يجف منّا يوم بعد آخر بفعل الحرب وآثارها .. قد يكون هذا المبلغ بسيط جداً لن يقدم لهُ شيئاً لمواجهة هذا الغلاء المتوحّش لكن لعلّه يعيد لهُ الأمل ليستمر في هذا الكفاح من أجل مواجهة الجوع المتنمّر الذي يحاصره من كل مكان .. اشتريت منهُ وردة بهذا المبلغ الزهيد والمضاعف عن سعرها الحقيقي أيضاً ويدفعني إلى هذا شعور إنساني ويمنعني نقيضه حرصاً وخوفاً على أوراق لا قيمة لها تغلّبت أخيراً نزعة الخير .. وهو يمدها إليّ جلستُ أتأمل في وجهه وأتذكر آلاف من الشباب أمثاله لجئوا إلى أحضان القتلة وحملوا السلاح لتنفيذ مأربهم يهتفون الموت لأمريكا الموت لإسرائيل ويقتلون الأبرياء في بيوتهم ويضاعفون مأساة الشعب المنكوب .. أتأمل في وجهه وأقول ماذا لو عاد أولئك الأغبياء إلى وعيهم وأصبح الجميع يفكر بنفس تفكيره هذا الشاب؟ ماذا لو توقفت الحروب لكان لم يحدث كل هذا الخراب؟
هذه الوردة من اليمني أبن الحديدة أهديها لكل محبي السلام لكل من يحمل مشاعر إنسانية نبيلة ولعناتي أوزعها على كل المجرمين وتجار الحروب الذين خلفوا كل هذا الدمار والخراب والمعاناة!



