الثلاثاء، 19 مايو 2015

رسالة إلى علي عنتر يوميات حرب(2)

صباح الخير يا إبليس .. هل يلتقي الموتى ؟ هذا السؤال أرهقني لأنني أحمل هماً بداخلي و أريد أن أرسل رسالة إلى الشهيد علي عنتر عبر أبنه المتوفي اليوم لأطلعه عن أحوالنا .. أريد أن أقول له بعد السلام : ماذا تريد أن تعرف عن أخبارنا ؟ ماذا تريد أن تعرف عن وطنٌ أضاعوه بعدكم الضعفاء والبُلداء؟ ماذا تريد أن تعرف عن الدولة التي بنيتموها ودفعتم دم قلوبكم من أجلها وإلى جانبكم كل أبناء الوطن؟ كل شيء جميل تسأل عنه تبخر وأصبحت الأجيال في الشتات ومن بقي اليوم يُقتل.
ماذا تريد أن تعرف عن الضالع؟ الضالع جريحة وجرحها عميق .. حزينة وحزنها أعمق .. تتألم كل يوم ولكنَّها ما زالت بذلك الكبرياء والشموخ لم تنكسر .. تودّع قوافل الشهداء كل لحظة ولكنّها بنفس الوقت تنجب أبطالاً آخرين .. ألم تصل إليك طلائعهم؟
الضالع في هذا الصباح الذي أكتب إليك فيه تستنشق الأُكسجين ممزوجٌ بالبارود وأيضاً لم يعد يُسمع في صباحها أصوات العصافير كأي مدينة في هذا العالم .. صوت الرصاص وصوت المدافع طغى على كل صوتٌ جميل فيها .. هل تتذكر كيف كان يبدو صباحها جميلاً في الماضي؟ هل ما زالت ذاكرتك تحتفظ بمشاهدها الصباحية والضباب والسحاب الأبيض يغطي وديانها ويعانق جبالها والندى يعتصرُ منها ويعطّر المدينة؟
الآن لوَّث القتلة بقذائف حقدهم أجوائها واختفى هذا المشهد البديع وأصبحت تغطَّي سمائها سحبٌ سوداء تعتصرُ منها سمومٌ قاتلة يستنشقها الناس فيها كل يوم .. ظهيرتها ومساؤها أيضا ليسُ أحسن حالاً من صباحها .. كل شيئاً فيها مُعدم وغير قابل للحياة لكنَّها تعيش وكلما أمّعن أعدائها بالقتل وأرادوا لها الهلاك تتشبث أكثر وأكثر بالحياة.
هي الضالع التي تعرفها لم تتغيّر أبداً .. هي أنت وأنت هي .. نعم غاب جسدك عنها ولكن روحك تسربت إلى أجيالها وها أنا أشعر بك حياً تتحرك بكل شبر فيها.
لا تقلق دار الحيد ورمزها التاريخي لم يسقط ولن يسقط ما زال شاهداً على حقد وحقارة الأعداء وسيظل إلى الأبد يذكّر الأجيال ما فعله هؤلاء الأوغاد.
في أكبر المجازر التي أرتكبها القتلة فيها، مجزرة سناح .. شاهدتُ بعيني نساء هذه المدينة الصامدة أثناء التشييع يصطفّنّ على طول الخط العام وهنّ يرفعنّ الأعلام والشعارات الوطنية نفس الشعارات التي كنت أنت تحملها نفس ألوان العلم الذي كنت تقبَّله وترفعه في كل مكان .. سمعتهنّ بأذني يزغردن يوم توافد كل الجنوب إلى مدينتك ليحملوا على أكتافهم أكثر من عشرين شهيداً دفعةً واحدة من ضمنهم أطفال وشيوخ قتلهم الغزاة في مخيم عزاء وهم آمنين.. سمعنا يومها زغاريدهنّ ولم نسمع نواحا رغم هول الفاجعة وعمق الحزن .. هذا الخبر بالتأكيد سيسعدك كثيراً ولكن هناك أيضاً أخباراً أخرى بخصوص المجزرة ستزعجك جداً
طبعاً لا شك أن عندك الخبر اليقين بخصوص مرتكبي المجزرة وتفاصيلها الأخرى ولكن هناك أمراً جلل أُخفي عنك .. هل تدري عن أسوأ ما فيها ؟ أسوأ ما فيها أن أبنك جهاد كان يومها وبعدها وقبلها يجلس على موائد القتلة ويعيش على فتاتهم ولم نسمع له أي موقف .. أكيد هذه الحقيقة ستشكّل صدمة بالنسبة لك (!)
أدرك أن هذا سيزعجك جداً وسيثير غضبك لأنك شجاعاً لا تقبل أن تسمع في أي مواطن من أبناء وطنك مثل هذا الكلام فما بالك أن تسمع مثلهُ عن أحد أبناؤك !!! ولكن لا عليك رغم سوء هذا الخبر ثق تماماً أن الضالع هي الضالع لم تتغيّر وأن هناك أبطالاً كثر يتسابقون من أجل الدفاع عن وطنٌ أوصيتهم فيه.
مضطر أن أتوقف الآن هنا رغم أن في جعبتي الكثير من الأمور لأسردها لكن إبليس مؤخراً أبلغني أن الموتى لا يلتقون وأن ردفان سيكون بعيداً عن أبيه وان المسافر إلى العدم لا يُسمح لهُ بحمل الرسائل .. إذن وداعاً يا ردفان فلم أجد من أعزيه فيك لذا استدعيت من يستحق العزاء والمناجاة استدعيت من يستحق الكتابة والتوثيق باسمه .. وداعاً فموتك اليوم جاء ونحن في حالة حداد وحزن مفتوح لا يتوقف ودموعنا تحجّرت من عمق الحزن وشدة الألم

مروان الجوبعي
2015/5/19


السبت، 16 مايو 2015

ماذا عنك

ماذا عنك

هل مازلت أنت .. أنت

أم أن شيء قد تغيّر؟

هل ما زالت الأحلام تسكنك

والطموحات والآمال

أم أن كل شيئاً قد تبخّر؟

هل ما زلت بنفس الجمال

وقلبك هل ما زال نقي

أم أن كلّ جميلًٌ فيك تبعثر؟

هل؟ ..وهل؟.. وهل؟

أسئلة كثيرة تشغل ذهني

أريد أن أفهم ما وراء هذا الصمت

أريد أن أفهم ما وراء هذا الجفاف

أنا أشكُّ كثيراً جداً

وكثيراً ما يرهقُني شكي

أريد أن أعرف هل أنت .. أنت

أم أنك اليوم غير ما كنت

وقد صدق فيك شكي؟

في معمعة هذه الحرب

رغم ضراوتها

لا أخشى الرصاص

لأن الرصاص رحيمٌ

حتى وإن أصاب بمقتل

بل أخشى ما وراء الصمت

لأن الصمت خبيثٌ.. حين يقتل
مروان الجوبعي
2015/5/16


خلوة مع البحر

في جلستنا الصباحية على غير العادة قلتُ للبحر وجودك يا بحر في عالمنا سبَّب أزمات كثيرة وصراعات مستمرة .. يا بحر كان العدوان الثلاثي على مصر بسببك وقامت حروب كثيرة في هذا العالم لا حصر لها، وسقط ضحايا كُثر من أجلك، حتى إيران اليوم أفسدت كل شيء جميل في اليمن من أجل عينيك.. يا بحر تخيل لو أنّ هذا العالم يعيش بدونك..! هل كان سيحدث هذا ؟ يابحر أرجوك أنسحب من المشهد ودعنا نعيش بسلام لا نريد جمبري ولا أسماك ولا أصداف ولا لؤلؤ ولا نريد أنّ يكون لجغرافيتنا مكانة أستراتيجية أو منافذ مهمة عالمياً.. بعد اليوم يكفينا أنّ نعيش بسلام.

قهقه البحر ضاحكاً، ثم قال: ايوه ايوه حملها كندش .

يا عزيزي لو افترضنا أنَّي لم أكن موجوداً في عالمكم ستختلقون ألف حجّة ومليون سبب للصراع .. هكذا هو حالكم لا يستطيع أن يعيش الإنسان بدون صراع..أنظر كيف تتصارعون على الرب وعلى الأرض وعلى الدين وعلى المذهب وعلى الذهب وعلى وعلى وعلى.


 هل تريد أن تختفي كل هذه الأشياء ؟

هل تريدون ان تبقوا لوحدكم فكيف ستعيشون وعلى ماذا ستقفون؟

حتى الأرض التي تقفون فيها تتصارع عليها الدول وتتصارع عليها فئات المجتمع الواحد وتتصارع عليها الأسرة الواحدة.. لا يتوقف أبداً شرهكم وهوسكم بالصراع.


 أيضاً حتى وأن اختفى كل شيء وبقيتم لوحدكم لن تقفوا عند هذا الحد ستختلقون ألف حجة ومليون سبب وستدخلون صراعات جديدة .

ثم قال قبل أن يدير ظهره ويصمت: يا عزيزي ثق تماماً أنكم كبشر خلف أي مصيبة في هذا الكون .. لماذا لا تنسحبون أنتم من المشهد وتتركون للطبيعة تأخذ مجراها وتتركون هذا الكون يعيش بسلام دائم؟


كانت حجج البحر أقوى من حججي فانسحبت من هذا النقاش بهدوء وعدت أدراجي مطأطأ الرأس أجر الخزي والعار خلفي مما يصنعه الإنسان !






الأربعاء، 13 مايو 2015

كواليس زيارتنا للبيض

عند زيارتنا للبيض في مقر إقامته قبل أسبوع الناس اصطفَّوا طابور بانتظار أن يُسمح لهم بالدخول وأنا جالس أفحص الجينات من خلال التحديق في وجوه الزوَّار وربطات غترهم والتنصت على لهجاتهم إلى أنّ وصلت لنتيجة لا بأس بها عن هوية الزوَّار وجهات انتمائهم وأعمالهم وهي كالأتي : مجموعة من أبناء شبوة ومجاميع أخرى من أبين وحضرموت لحج يافع الضالع. وبنسب متفاوتة تتصدرها يافع ..لم أتمكن من الوصول إلى تفسير هل هناك أحد من عدن لكن تقريباً أبناء عدن نُدرة اغترابهم في المملكة كان له دور، من النادر أن تحصل عدني مغترب في السعودية.. أمّا المهرة ما تُعجب بالسياسة خير شر.


في المجمل ناس بسطاء وعاديين جداً البعض منهم آثار زيت المحركات في أيديه والبعض لازالت رائحة البصل في ثيابه والبعض الآخر أشعة الشمس غيّرت ملامح وجهه وهكذا كلهم من أبناء الشعب البسطاء الصادقين والمخلصين الذين يتكبدون عناء الغربة ويتمرغون في بلد الاغتراب ويعانوا الأمرين بسبب أخطاء الساسة وهفواتهم وصراعاتهم في الماضي وعلى رأسهم البيض.


قال ليّ أحدهم هذا الرجل –يقصد البيض- أملنا فيه كبير أن يتمسك بقضيتنا دون تفريط بحقوقنا وعلى رأسها استعادة الدولة بعد أن فقدنا الثقة في الآخرين
قلت: صحيح أن البيض صادق ومتمسك ولكن كما يقول المثل (يد واحده ما تصفق) الوطن بحاجة لكل أبنائه ولكل كوادره وقواه الاجتماعية والسياسية بحاجه إلى العطاس وإلى هادي وإلى ناصر وبن علي وووو إلى آخر وإذا توافق هؤلاء الساسة بتنوعهم وأحسنوا إدارة خلافاتهم بإمكانهم أن يحققوا نجاح كبير ويلعبوا أدوار مختلفة لكن بشرط أن تصب في صالح الوطن لا مانع أن تكون مواقفهم المعلنة مجرد تكتيك سياسي المهم والأهم المضمون والنتيجة النهائية أن تكون عند مستوى طموحات الشعب
قال : معك حق لكن لا حياة لمن تنادي


انتهى حوارنا فذهب هذا المسكين وبقيت أنا على الكرسي الذي جلسنا فيه معاً أفكر في كلامه وإيمانه اللا محدود من أن البيض لن يفرط بقضيته بينما يقول "لا ثقة بالآخرين" تذكرت انّه بنفس الوقت الذي رفض البيض استقبال توكل وعلي محسن بعد ما كانت هناك ترتيبات لزيارته حسب ما تناقله البعض وفتح مقر إقامته على مصرعيه لأبناء شعبه البسطاء بنفس هذا الوقت ظل مقر إقامة هادي مفتوحاً لأصحاب الكروش المنتفخة واللصوص من البركاني إلى بن دغر إلى علي محسن وغيرهم ولم يُسمح أو ربما لم يلتفت البسطاء من أبناء الجنوب بالذهاب إليه لعلمهم أنه غير مدرك بمعاناتهم ومشاكلهم وهمومهم وأنّه لن يسمح لهم بالدخول.



"حينما يقاتل المرء لكي يغتصب وينهب، قد يتوقف عن القتال إذا امتلأت جعبته، أو أنهكت قواه، ولكنه حين يحارب من أجل وطنه يمضي في حربه إلى النهاية" مش عارف ليش قفزت إلى ذاكرتي بلحظة كتابة المنشور هذه العبارة للمناضل الكبير عمر المختار ربما أن إبليس موظف بأرشيف الذاكرة وأراد أن يرسل رسالة لها هدف معين أو ربما تكون طائشة !


المهم في أول هذه الزيارة ابتدأتها فحص في الجينات، جينات الزوّار وفي نهايتها ختمتها أيضاً بفحص جينات المرافقين والمحيطين للبيض حيث دهف إبليس سؤال غبي إلى جمجمتي وجهته لـ عمر البيض أثناء جلستنا معه في فناء الفندق، عند مرور الدكتور عبدالله عبد الصمد من أمامنا قلت له :من أي مكان الدكتور عبدالله هل هو من منطقة كذا؟
طبعاً كان السؤال غبي جداً وكانت إجابة عمر البيض في قمّة الذكاء حيث قال أنا اعرف (الدكتور عبدالله فقط من فين ذي أنا ما أدقق فيها بالعادة) ..أضف إلى ذلك أن جلستنا مع عمر قرابة الساعتين كانت أشبه بجلسة تحقيق تركزت على التدقيق بأفكاره ونهجه للأمانة كان رائع وطوال هذا الفترة لم يشير من قريب أو بعيد إلى أي طرف جنوبي بتشكيك بل بدا حريصاً على تقارب الجميع ويشير إليهم بإشارات ودية.

مروان الجوبعي
2015/5/12

لا وطن عزّنا ولا طبيعة رحمتنا..!

لو مثلاً قال نزار قباني في مطلع قصيدته الأنيقة "أكتبُ من الدمام يا صديقتي" بدلاً عن "أكتبُ من بيروت يا صديقتي" مجرد اسم سينسف القصيدة من أساسها ويخرب كل معانيها الجميلة..سيكون وجوده في القصيدة اشبه بوجود الحوثي والقاعدة في مؤتمر عالمي للسلام لأن هذا الاسم أقترن بتقلب الأجواء بتطرَّف بين شدة الحرارة والبرد القارس والعواصف الرملية والرطوبة وإلى آخر ..

ما بالك أن تعيش فعليا في الدمام جسدك تكويه هذه التقلبات المناخية السيئة بتطرَّفها وبنفس الوقت يأخذ ذهنك كاظم الساهر بصوته الجميل وهو يغني هذه القصيدة ليتنقّل بك بين أزقة وأحياء ومقاهي بيروت (!) وفوق هذا يغادرك أصدقاء أعزاء كنت تقضي معهم أمتع اللحظات إلى هذه المدينة البديعة لتفتح الفيس بوك فتجد صورهم وتصيبك الدهشة بسحر طبيعتها وجمالها ..هذا هو الجحيم بعينه !

دخلت قبل قليل السيارة وكأنني دخلت "صُعد" لفحتني حرارة غير طبيعية فشغَّلت المكيف وخرجت أجري بغير شعور هارباً من شدة الحرارة لأعود إليها بعد خمس دقائق وقد اعتدلت الأجواء فيها بفعل التكييّف، شيء فوق قدرتنا على الاحتمال..! لا أدري كيف سيكون حالنا اليوم لو لم يعزّنا الكُفَّار بهذه الوسائل والاختراعات والإبداعات لمواجهتها وتخفيف وطئتها علينا ؟ ومش فاهم كيف نجازيهم باللعن والشتم بعد كل هذه الخدمات والمنافع التي قدموها للبشرية ؟

يمازحني صديقي حينما رآني أجري قائلاً: "لم تقدر على حرارة الشمس كيف لو رحت الجبهة؟" قلت " قدني جبان لكن تقتلك الرصاصة أهون من هذا الجحيم" ويعاتبني آخر بعد أن شاهد منشور ليّ قبل يومين قلت فيه عن سفري بعد شهر -حسب ما اخطط دائماً للهروب من هذه الأجواء- قال: "البلاد مجاعة وين با تسافر؟" قلت في نفسي الجوع أهون بكثير من هذا الجحيم.

نعيش لحظات عسيرة مصحوبة بكل أنواع العذاب الذهني والجسدي والنفسي لا طبيعة نستمتع بها ولا وطن مثل الأوطان نعود إليه ولا قدرة أو استعداد لدينا أن ننسى ونتجاهل معاناة أهلنا خصوصاً بهذا الظرف لنذهب إلى بيروت أو أي وجهة أخرى إن كان هناك جحيماً فهذا هو الجحيم لا غير

مروان الجوبعي2015/5/13

الثلاثاء، 28 أبريل 2015

النقد الذاتي وأهميته



ممارسة النقد الذاتي شيء مهم سواء على المستوى الفردي أو الجماعات .. هنا مثلا على فيس بوك عند أي منشور ينزل أتردد أكثر من مرة قبل النشر ومع ذلك بعض المنشورات تمرُّ من حاجز هذه الرقابة الذاتية والنقد أقل ما يُقال عنها تافهة ولا معنى لها ولا مضمون -ربما هي كثيرة في نظر البعض -
 إلاّ أنه لولا النقد المستمر والتمحيص لكان الحال مشوّه أسوأ من ما هو عليه، وأيضاً في البداية كنتُ لا أجيد حتى كتابة جملة على بعضها وأخطاء لغوية فادحة بالجملة ولازلتُ إلى الآن ولكنَّها تحسنت وأصبحت أفضل من ذي قبل بفضل النقد المستمر والتمحيص

أيضاً بالعادة أكون شديد الرقابة والنقد الذاتي في علاقتي الاجتماعية أو العمل أحاول النظر من زوايا عدة أن وجد خلاف مع أحد . أشكك في أنَّ الحقّ معي مهما كانت ثقتي في ذلك .. أعتذر أحيانا وأتراجع متى ما وجدتُ نفسي مخطئاً، ورغم هذه الرقابة والنقد الذاتي الدائم أحياناً بعض الأخطاء تمرُّ من هذه الناحية ويسيطر عليَّ العناد فأصر على خطأي ولكن لولا استمرار النقد لكان الوضع أكثر سوءاً و لفقدت كثيراً من الأصدقاء والأقرباء وربما فقدتهم جميعاً ! وكذلك الحال بالنسبة للعمل والهوايات الأخرى تكون كل التصرفات تحت الرقابة والنقد الدائم محاولةٌ للوصول إلى الأفضل.

هذا الصوت الناقد والمشكك النابع من أعماقنا لهُ فضل كبير في حياتنا اليومية ولولاه ما نجحنا في أشياء كثيرة، هو الرقيب الذي يقودنا إلى الأفضل وعبره نتحاشى كثيراً من الفشل وكأن العقل البشري مركب من عنصران أساسيان أحدهما مهمته أنتاج الأفكار والآخر يوكل إليه نقدها وتمحيصها ولا يقلّ أحدهما أهمية عن الآخر.

 كذلك المجتمع أو الحركة أو المنظمة وإلى آخر من مسميات التكتلات البشرية التي يشترك فيها مجموعة من الناس مع بعض في مصير ومستقبل يشملهم جميعاً، يتكون لديهم عقل جمعي يضبط إيقاع حياتهم اليومية وعلاقاتهم مع أي مجموعات أو تكتلات أخرى ويسيَّر عملهم ويرسم خططهم المستقبلية وطموحاتهم بحيث يكون هذا العقل أشبه بالعقل الفردي عناصر فيه تنتج الأفكار وأخرى تعمل على التمحيص والنقد ومتى ما غاب عنصر النقد فأنها ستمرُّ أفكار تشوَّه هذه الجماعة أو هذا المجتمع أو التكتل فيخسر بسببها أشياء كثيرة ويختل توازنه.

كلّما زاد النقد كلّما قلَّت الأخطاء وتقلَّصت، حتى وإن كان النقد بعض الأوقات لاذعاً فهذا لا يعني أنه فقد أهميته بل يبقى مضمونه التنبيه إلى أخطاء موجودة لمراجعتها، بغض النظر عن التعبير الذي استخدمه لإيصال المعلومة فأحياناً الشخص يخاطب نفسه بعبارات جارحة عندما يمارس النقد الذاتي فيسمع أحيانا صوت في ذاته يقول "أنا غبي" إلى أن يصل أحياناً بالقول "أنا حمار" لأني لم أعمل كذا وكذا. إذن فتكثيف النقد لأي خطوة أو أي فكرة أمر صحي ومهم جداً والنقد الذاتي عنصر مهم وضروري يقودنا إلى الأفضل هذا أن كنّا نريد التطوَّر والرقي في أي عمل !

أمقت أولئك الحمقى الذين كلّما وجَّهت نقداً لمجتمعك أو لأي منظمة تندرج أنت تحت إطارها أو انتقدت أفكار وسلوك زعمائه/ا يجردونك من وطنيتك وينزعون عنك انتماءك إلى هذا المجتمع أو هذه المنظمة لأنك أشرت إلى خطأ ما أصابه/ا  ويظنون أنهم على حق دائماً وما أكثرهم وما أكثر ما نشاهده من هذه العينات الحيوانية اللا عاقلة سواءً في العالم الافتراضي أو الواقعي خصوصاً أولئك المتعصبين لفكرة معينة أو زعيم معين أو طائفة أو دين أو منطقة، ربما قد يكون أخطأ الناقد في بعض الأحيان ولكن هذا لا يعني أنَّ ينظر إليه على انهُ خارج إطار هذا المجتمع أو الحركة بسبب نقده له/ا، قد لا يجيد الناقد أو "النويقد" مهما صغر أو كبر أنتاج الأفكار وابتكار الحلول ولكن هذا لا يقلل من أهمية طرحه، مجرد إشارته إلى الخطأ بطريقة أو بأخرى يكون لهُ فضل كبير وخدمة جليلة في لفت الانتباه لتصحيح الأخطاء وتداركها.

 متى سنتواضع لبعضنا ونتعاطى بشكل إيجابي مع أي صوت ناقد ونؤمن إنَّ لا أحد كامل بعقله وإن بعضنا مُكمل لبعض؟

 إذا سلَّمنا بهذه الحقيقة سنكون بخير وسيكون مجتمعنا أفضل.. وسلام الله على عظيمنا برتراند راسل حين قال "إن مشكلة هذا العالم تكمن في أن الحمقى والمتعصبين دائما ما يشعرون بالثقة في أنفسهم ...أما العقلاء فهم يشكّون دائما في قدراتهم
."

مروان الجوبعي
2015/4/28 

الجمعة، 24 أبريل 2015

يوميات حرب (1)

أول ما دخلت اليوم شركة الزامل للصرافة التي يتم عبرها تحويل الأموال إلى فروع الكريمي في اليمن استوقفني إعلان مكتوب فيه (نعتذر لعملائنا الكرام في الجمهورية اليمنية لعدم قدرتنا على خدمتهم في عدن لحج الضالع العند يافع الحبيلين الشعيب أبين شبوة، نتيجةً للعنف الدائر هناك) بالإضافة إلى ذلك وجدت هناك أكثر من شخص ينتمون إلى هذه المناطق حوالاتهم عالقة منذُ ما يقارب أسبوعين لم يتمكن أقاربهم من استلامها لهذا السبب، وفوق هذا وذاك رواتب الموظفين الجنوبيين إلى الآن لم يستلم أي أحد راتب الشهر الماضي حسب ما عرفت من الوالد مؤخراً .

ليس هذا فحسب بل فوق هذه الأزمة المالية الخانقة التي يعشها الأهالي والحصار المفروض عليهم من كل جهة اختفت السلع الرئيسية من الأسوق مثل الدقيق وغيرها من المواد الغذائية الضرورية إذ لا يمكن حتى لمن يملك المال الحصول عليها وهذا ما يجعل الجميع دون استثناء في هذه المناطق يواجهون مأساة حقيقية في احتياجاتهم المعيشية الضرورية فكيف سيكون الحال بأمور أخرى لا تقل أهمية مثل الأدوية والمشتقات النفطية والكهرباء والماء ؟

قبل أيام أيضاً عرفت أن خالي محاصر في عدن ولم يتمكن من العودة إلى الضالع طبعاً الطرق مقطوعة والمرور فيها يعتبر نوع من المغامرة وكما حدثني أحد الأصدقاء عن مجموعة من شباب ردفان كانوا في طريق العودة من عدن إلى الحبيلين اختطفتهم المليشيات "الحوثفاشية" واقتادتهم إلى قاعدة العند وهناك أيضاً آخرين كُثُر تستخدمهم كدروع بشرية وإلى الآن لم يُعرف مصيرهم !!

هذه الأمور تُعتبر تفاصيل بسيطة من حياة الناس اليومية رغم أهميتها لأن هناك ما هو أفظع وأبشع، توجد جرائم إبادة جماعية مباشرة تقوم فيها هذه المليشيات الدموية تطغى على كل شيء وتشغل الرأي العام الداخلي والخارجي .

هذه الحالة ليست موجودة في أي محافظة أخرى من محافظات الشمال على خط حدود عام 90 حتى على مستوى المحافظات التي تناهض تواجد المليشيات "الحوثفاشية" الموظفين رواتبهم مستمرة والحياة أكثر استقرارا وعلى سبيل المثال مدينة قعطبة تبعد حوالي 10 كيلو متر عن الضالع يعيش الناس فيها بحالة طبيعية جداً بينما الضالع تعيش حالة مأساوية وعلى هذا الحال تتشابه كل المناطق الحدودية من الضالع مروراً بلحج وأبين حتى شبوة

لا مقارنة بين الوضع في الشمال وفي لجنوب فلكلاً حالة ووضعه المستقل عن الآخر حتى على مستوى التفكير الجمعي للمجتمع وتوصيف الوضع الراهن، لذلك مافيش داعي تسمَّعونا بكائيات يا مثقفي الشمال وتشبَّهوا الوضع في الشمال بما يحدث في الجنوب فهذا أيضاً ظلم آخر ترتكبونه بحق الجنوب وهناك فرق بيننا حتى في البكاء فأنتم تبكون على صواريخكم الوطنية التي يفجرها طيران التحالف ونحن في الجنوب نبكي على رؤوس أهلنا التي تفجرها صواريخكم الوطنية وشتان بين هذا وذاك !!

مروان الجوبعي
8/4/2015