الاثنين، 26 يناير 2015
زنزانة المرأة المتحركة
باب مدرسة البنات القريبة منّا توقفت، طبعاً
الوقوف لم يكن بإرادتي بل كان بسبب الزحمة، وفي لحظات انتظار للخروج من الزحمة، نظرت
نظرة تأمل إلى الطالبات.. أدهشني كثرة العدد في هذه المدرسة بحيث أن هناك أيضاً أكثر
من ثلاث مدارس بنفس الحي للبنات (ثانوية) وكل مدرسة فيها تقريباً نفس العدد، وعلى
هذا لكل طالبه من هذا الكم الهائل سائق إمَّا خاص أو من الأقرباء.. هذا بالإضافة
إلى كلية البنات المقابلة لنا وسيل من باصات النقل والسيارات الخاصة أمام الكلية ..
تخيلوا حجم الزحام ! الحركة مشلولة في الشارع تماماً
المهم جلست أنظر للبنات بنظرة تأمل (عيني فيهم وعقلي في معاناتهم) مش نظرة بدافع غريزي كما ظن المطوع القريب منَّي.. كنت أفكر في عقدة رجال الدين أمثاله الذين صنعوا هذه الإشكاليات للبنات في المقام الأول وللمجتمع ككل.
- الطالبات مغطاة وجوههنّ بالكامل بحجاب غريب عجيب حتى أعينهنّ!! تمَّشي الطالبة وكأنها عمياء مافيش ولو خزق على الأقل لترى طريقها وما حولها.
- كثافة بشرية مضاعفة بحكم شخص مرافق لكل طالبة (سائق) هذا يشكل زحمه على الفاضي تتوقف الحركة من شدتها وخسائر أخرى تترتب على ذلك.
هذه النقطتين بالذات كنت أفكر فيها وعيني على البنات (المقرطسات بشكل كامل) أو عيني عليهنّ وعقلي يفكر بمعاناتهنّ، أما قلبي بنفس الوقت(كرتون) مجرد من المشاعر ما عدى التعاطف لا غير .. ومع التعمَّق بالتفكير والشرود الذهني اسمع صوت من حولي فتحت الزجاج وإذ بمطوع مكشر في السيارة المقابلة يقول (لا تطالع في البنات يا بو يمن وإلاّ دعيت الهيئة تجي تجرّك من آذانك) بالطبع سيارة الهيئة موجودة على بعد أمتار - مافيش هزار على قولة إخواننا المصريين- لو عاندت يعني رحت فيها.. ساعتها (حنبت بعيوني حنب ما دريت وين أوديهم !) كل ما حولي بنات والمطوع الملعون يتلصص على نظراتي، ومهما كان بالأخير أجنبي بإمكانه إن يلبسني أيّ تهمه من الشارع، حتى وإن كانت النوايا سليمة لن يصدقني احد، لذا أخذت التلفون وشغلته لأشغل نفسي وأقنع الرجل حتى أأمن شره.. وكفانا شر الفلسفة والتّأمل في مثل هذه الحالات.
رجال الدين هم من يسيطر ويرسم السياسات ويتدخلوا في أدق التفاصيل الحياتية للمجتمعات في بلداننا وهم من يفرض هذه العزلة على المرأة وهذه المعاناة.. ما دام إن تفكيرهم مستمر بهذه الطريقة، لا استبعد إن يأتي يوم ويبتكروا وسيله تغطي أعين الرجال ويفرضوها على الجميع تحت مبرر تحصين ووقاية المرأة من نظرات الرجل.. كل شيء وارد في ظل هذا الهوس والجنون وعقبى ما يلبس الرجال البراقع والخنن حتى يرضى عنهم رجال الدين الذين يسيرون بهذه المجتمعات إلى الحضيض..
مروان الجوبعي
المهم جلست أنظر للبنات بنظرة تأمل (عيني فيهم وعقلي في معاناتهم) مش نظرة بدافع غريزي كما ظن المطوع القريب منَّي.. كنت أفكر في عقدة رجال الدين أمثاله الذين صنعوا هذه الإشكاليات للبنات في المقام الأول وللمجتمع ككل.
- الطالبات مغطاة وجوههنّ بالكامل بحجاب غريب عجيب حتى أعينهنّ!! تمَّشي الطالبة وكأنها عمياء مافيش ولو خزق على الأقل لترى طريقها وما حولها.
- كثافة بشرية مضاعفة بحكم شخص مرافق لكل طالبة (سائق) هذا يشكل زحمه على الفاضي تتوقف الحركة من شدتها وخسائر أخرى تترتب على ذلك.
هذه النقطتين بالذات كنت أفكر فيها وعيني على البنات (المقرطسات بشكل كامل) أو عيني عليهنّ وعقلي يفكر بمعاناتهنّ، أما قلبي بنفس الوقت(كرتون) مجرد من المشاعر ما عدى التعاطف لا غير .. ومع التعمَّق بالتفكير والشرود الذهني اسمع صوت من حولي فتحت الزجاج وإذ بمطوع مكشر في السيارة المقابلة يقول (لا تطالع في البنات يا بو يمن وإلاّ دعيت الهيئة تجي تجرّك من آذانك) بالطبع سيارة الهيئة موجودة على بعد أمتار - مافيش هزار على قولة إخواننا المصريين- لو عاندت يعني رحت فيها.. ساعتها (حنبت بعيوني حنب ما دريت وين أوديهم !) كل ما حولي بنات والمطوع الملعون يتلصص على نظراتي، ومهما كان بالأخير أجنبي بإمكانه إن يلبسني أيّ تهمه من الشارع، حتى وإن كانت النوايا سليمة لن يصدقني احد، لذا أخذت التلفون وشغلته لأشغل نفسي وأقنع الرجل حتى أأمن شره.. وكفانا شر الفلسفة والتّأمل في مثل هذه الحالات.
رجال الدين هم من يسيطر ويرسم السياسات ويتدخلوا في أدق التفاصيل الحياتية للمجتمعات في بلداننا وهم من يفرض هذه العزلة على المرأة وهذه المعاناة.. ما دام إن تفكيرهم مستمر بهذه الطريقة، لا استبعد إن يأتي يوم ويبتكروا وسيله تغطي أعين الرجال ويفرضوها على الجميع تحت مبرر تحصين ووقاية المرأة من نظرات الرجل.. كل شيء وارد في ظل هذا الهوس والجنون وعقبى ما يلبس الرجال البراقع والخنن حتى يرضى عنهم رجال الدين الذين يسيرون بهذه المجتمعات إلى الحضيض..
مروان الجوبعي
الثلاثاء، 20 يناير 2015
لحظات ترقب وانتظار
أُحدقُ في كلِّ شيئاً يدلُّ عليها
وأدققُ في أيُّ شيئاً يُذكِّرني فيها أكثرَ من مرةٌ
فتحتُ النافذةِ التي رأيتُها منها أول مره
وأعدتُ النظر من اللحظة الأولى
فقرأت من جديد كلَّ شيئاً حدَث فيها
بل ذهبتُ أؤوَّل في أشياء لم تحدث.
أسرفتُ بالاِحتمالات كثيراً
تارةً مُتفائِل بعودتها
وتارةً أخرى أعظ الأصابع، خيبةٌ وحسرة
وها هي إلى الآن لم تأتِ بعد
وأنا أعيشُ المأساة لوحدي
فأناجيها وأملأ الدنيا صخباً
يا أميرةٌ سرقت مني قلبي.. أين أنت؟
هل تشعرين بمعاناتي َ؟
أو على الأقل
هل تدركين بما فعلتِ ؟
ألآآآ.. ليتكِ تدري !
*************
ثم أتساءل في حديث مع نفسي
أقولُ والوجع يسحق أحشائي
هل تتذكَّر ؟
حينما أدخلتُها شرايين قلبي
فتوجتها أميرةً وجعلتها الأمر الناهي
ويوم تركتُ لها الأبواب مشرعةٌ
لتتجول بأريحية في أزقتهُ ؟
*************
يا لساذجتي لففتُ الحبل على عنقي.
حين سلمتها خزائن أسراري.
وجعلتُ منها دكتاتور يحكمني .
فأصبحُ الأمر بأيديها
أن شاءت تشنقني وإن شاءت تعفيني
هل يا ترى بقي ليَّ في أصداؤها أثراً
ولو مجرد ذكراً في ثناياها
أم أن اللؤم أنساها ؟
************
هل نسيت ؟
يوم كتبتُ الشعر فيها
و قلتُ يا حياتي.
أنتِ كل شيئاً في الوجودِ
و يوم عرفتكِ هو يوم ميلادي
أم أن هذا هو خطأي ؟
أشعلتُ بالثناء فتيل غرورها
فتمردت..
وتمرغت بالتراب كرامتي .
************
أقف حائراً مذهولاً أمام كل ما حدث
و رغم هذا إلا إنني
لازلتُ أحدق في الأشياء متفائلاً
أطبطب على نفسي
وأردَّدُ: حجة الغائبُ معهُ
لم يكسر اليأس مجاديفي
أنتظرها..
أنتظرها والعقل مصروعٌ بهيئتها
والشوق يكوي جروحي وينكئوهاِ
أنتظرها.. كسيحٌ أعمى بلا بصرِ
أنتظرها.. ولا أدري إلى أين سيأخذني قدري
هل سيظفر تفاؤلي؟
أم أنها قد خانت وانتهى أمري ؟
مروان الجوبعي
2015/1/20
نداء للشمس
بعد رحيلكِ ليلة البارحة.. ها أنا لا زلتُ بنفس المكان، أترقب بهاء حضوركِ، أنتظر مجيئك ليخرجني من هذا الحزن الكئيب، تعالِ فقد ضاق صدري واشتدت وحشتي وأزداد شوقي ولوعتي.. أنتظركِ ..! نعم أنتظركِ على أحر من الجمر لأشكو إليكِ حين غبتِ كيف كشرت عليّ الغربة أنيابها، فجرحت كبريائي وأوصلتني إلى حافة الانهيار. لأشكو إليكِ هذه الليلة كيف قضيتُها بعدك. وأشرحُ لكِ كيف أصبحت هذه المدينة بغيابكِ وكأنها امرأةً فاتنة أُجبرت أن تتشح بالسواد، وحُرِم عاشقها النظر إلى مفاتنها وسحر جسدها الأخاذ.. لأصف لكِ كيف أفقدني غيابك الشعور بهذا المكان، فأخذتني الذاكرة إلى هناك..! إلى الضفة الأخرى..! إلى المكان الذي تغوص الروح فيه. أرجوك لا تتركِ الذاكرة تعبث بداخلي، لا تتركيها تطارد صور الذكريات تعالِ فوجودكِ يلهيني بعض الشيء، من غيرك يستطيع أن يخمد ثورتها ويشغلها بالنسيان.! تعالي أضيئي ما حولي مُدّي أشعتكِ إلى هذه الزوايا، أقشعِ السواد عن هذه المدينة، أظهرِ وجهها علّي أجد فيها ما يوقف شريط الذكريات عن الدوران، أكشفِ صدرها البارز، عري مفاتنها أمامي عسى أن أجد فيها ما ينسيني فأستعيد نفسي من متاهات الذكريات، وأعود إليها أداعب البحر وألاعب الرمل وأتجول بحدائقها، لعلّ وجودكِ يكون كوصفةٌ سحريةٌ تشفي من نوبة الاكتئاب الحادة التي دخلتُ فيها، علّهُ ينسيني هذا العذاب ولو بعض الوقت. وحشةِ هذه الليلةِ وظلمتها تشعرني وكأنني أحد سكان المقابر، انتشليني من هذه الوحدةِ قبل أن يقتلني هذا الشعور، حتى لا أصبحُ واحداً منهم فعلياً، قبل أن يأتي غداً غُرباء يحملوني على الأكتاف فأنضم إلى سجلات موتاهم رسمياً، وربما يأخذني شخصين أو أكثر بتأفّف ليضعوني في حفرةً يرقد إلى الأبد فيها جسدي النكير على أرض الغرباء..! أعيدي الحياة إليّ وامنحيني فرصةٌ حتى أعود، وبعدها إن حضر الموت يوم التّحام الروح بالجسد فهنيئاً لي ذلك، أرجو إن لا يخيب ظني فيكِ، وأن لا يكون غروب البارحة هو الغروب الأخير..!
مروان الجوبعي
2015/1/19
الاثنين، 19 يناير 2015
الخيواني يقرع طبول الحرب
صباحاً علقت على الأستاذ سامي غالب بخصوص موضوع الجنوب وما يجري فيه .. رد على التعليق الأول بطريقته المهذبة وذكائه (!) بعدها كررت تعليق خارج سياق الموضوع - وقلت التضامن مع أروى عثمان موقف إنساني وكلنا نتضامن معها لكن ما نعيب عليهم كمثقفين هو الصمت على القتل في عدن بنفس الوقت الذي ينثرون فيه التضامن في كل مكان ولأي سبب حتى وإن كان كسر زجاج سيارة قام فيه أطفال عن طريق الغلط.
عندها رد سامي غالب بطريقته مشيراً إلى منشور طرحه الخيواني على صفحته بخصوص ما حدث في عدن كتبرير لموقفه.. أنا حينها فهمت إن سامي يقصد أن الخيواني تضامن مع الضحايا، وقلت إذن خير ما دام هناك من يتضامن واعتذرت.. لم أفتح صفحة الخيواني حينها اقتنعت وانسحبت من الموضوع، إلى أن جاء أحد الأصدقاء على الخاص بعد أكثر من 12ساعة عند اطلاعه على تعليق سامي غالب الذي أشار به إلى منشور الخيواني، ليسألني هذا الصديق هل قرأت منشور الخيواني الذي قال لك عنه سامي غالب ؟؟
قلت: لا
قال: طيب اطلع عليه شوفه وبعدين تعال !
فتحت صفحة الخيواني فوجدت منشوره صادماً لأنه لا يُمكن أن يكتب مثقف بهذه الطريقة، والصدمة الكبرى أن سامي غالب الذي نثق فيه كثيراً ونعتبر أكثر رزانة وعقلاً ظهر مقتنعاً تماماً من خلال إشارته لهذا المنشور كدليل، وتبرير لموقفه وصمته !
يقول الخيواني في منشوره :
((الإعتداء الذي حصل في الساحة من بدأ به بعض حمقى الساحة ومتطرفيها ... إذ ان هناك شخص ماشي في الخط العام المحاذي للساحة أشتبهوا به وظنوه مفخخا وهو من المحافظات الشمالية وهذه بحد ذاتها عند هؤلاء الحمقى تهمة او جريمة " الله يلعنهم إلى اين اوصلونا" المهم اعتدوا على الرجل بالضرب المبرح واطلقوه فماكان منه إلا الإستنجاد باصدقائه ليأتوا معه ليثأر لكرامته))
من المؤسف أن يكون تفكير المثقف بهذه السذاجة ! مؤسف جداً أن يشارك فعلياً على توسعة الشرخ وتعميقه مع إننا كنّا نظن أنهم هم من سينقذ الناس من هذا الشر ويتولى ردم هذه الهوة بين الشمال والجنوب التي أحدثها الساسة خلال 24 عام مضت.
(("المهم اعتدوا على الرجل بالضرب المبرح واطلقوه فما كان منه إلا الإستنجاد باصدقائه ليأتوا معه ليثأر لكرامته"))
الترويج لهذه الجملة وحدها كافي لأن تنزع صفة إنسان من أيً كان أن قبل بها سواء بالنشر أو الاستدلال فيها لتبرير موقف ، فما بالكم بمثقف !!
ساحة العروض مثلها مثل غيرها من الساحات لها لجنة أمنية أو ما شابهها اشتبهت بشخص احتجزته ثم أطلقته، هذا أمر ممكن ومعقول في هذا الوضع الذي نعيشه.. مسألة الضرب أمر مدان ومستهجن ولكن حتى وإن ضُرب، ضرب مبرّح هل أصبحت أروح الجنوبيين رخيصة إلى هذه الدرجة في نظر المثقف الذي رأى إن عملية قتل شخص وإصابة أربعة أمر عادي وإن هذا الفعل مقابل ذاك، أيعقل تبريره لحدث بهذه الطريقة الهمجية للعصابات والمليشيات القبلية "الطارف غريم"؟؟؟
ماذا عن الطبيب العدني الذي قتله الحوثيون في صنعاء بمجرد الاشتباه؟؟ لم يدخل ساحتهم بسلاحه.. لحيته فقط كانت دليل شُبهه كافي لقتله في نظر الجماعة وتبرير المثقف الذي تلا الجريمة..إذ قال الخيواني حينها إن (الجماعة) ستحقق في الموضوع يعني القاتل هو الخصم والحكم بنفس الوقت.. لا أدري من متى أصبح القاتل ينصف ضحاياه مع أن المثقف يردد هذا بكل ثقة ؟؟
معقول إلى هذه الدرجة وصل الاستخفاف بأرواح البشر في نظر المثقف ! لم يكن تداول هذه الرواية من قبل الخيواني وغيره لتبرير موقف بقدر ما كان تأكيد قبيلي يصطف إلى جانب ابن قبيلته الذي أخذ بالثّأر من غريمه. هكذا بهذه الطريقة التي أقل ما يُقال عنها (وقاحة) يستمر المثقف بهدم ما بقي من جسور لمحبة بين مواطني الجنوب والشمال، والترويج لهذه الرواية ليس أمراً عادياً فهو عبارة عن تدشين لمرحلة أخطر وهي "الثأر للكرامة" بالطريقة الهمجية القبلية -حسب ما جاء في المنشور- وهذا يعني أن كل شمالي غريم كما كان كل جنوبي غريم في ساحة العروض الذي أعتبره المثقف ثأر للكرامة ! للعلم أن الجنوب مليء بالمواطنين من أبناء المحافظات الشمالية والذين لهم مصالح ومنافع يمارسونها دون أن يعترضهم أحد حتى الماء والبيبسي وجميع المشروبات والأعلام والشعارات وإلى آخر يبيعها مواطن شمالي في مظاهرات وساحات الجنوب. وما يروج له هذا المثقف خطر مباشر عليهم.
على ما يبدو إننا على أبواب داحس والغبراء جديدة في اليمن، حرب قبلية انتقامية ثأرية يروج لها المثقفون من الآن مع الأسف
عندها رد سامي غالب بطريقته مشيراً إلى منشور طرحه الخيواني على صفحته بخصوص ما حدث في عدن كتبرير لموقفه.. أنا حينها فهمت إن سامي يقصد أن الخيواني تضامن مع الضحايا، وقلت إذن خير ما دام هناك من يتضامن واعتذرت.. لم أفتح صفحة الخيواني حينها اقتنعت وانسحبت من الموضوع، إلى أن جاء أحد الأصدقاء على الخاص بعد أكثر من 12ساعة عند اطلاعه على تعليق سامي غالب الذي أشار به إلى منشور الخيواني، ليسألني هذا الصديق هل قرأت منشور الخيواني الذي قال لك عنه سامي غالب ؟؟
قلت: لا
قال: طيب اطلع عليه شوفه وبعدين تعال !
فتحت صفحة الخيواني فوجدت منشوره صادماً لأنه لا يُمكن أن يكتب مثقف بهذه الطريقة، والصدمة الكبرى أن سامي غالب الذي نثق فيه كثيراً ونعتبر أكثر رزانة وعقلاً ظهر مقتنعاً تماماً من خلال إشارته لهذا المنشور كدليل، وتبرير لموقفه وصمته !
يقول الخيواني في منشوره :
((الإعتداء الذي حصل في الساحة من بدأ به بعض حمقى الساحة ومتطرفيها ... إذ ان هناك شخص ماشي في الخط العام المحاذي للساحة أشتبهوا به وظنوه مفخخا وهو من المحافظات الشمالية وهذه بحد ذاتها عند هؤلاء الحمقى تهمة او جريمة " الله يلعنهم إلى اين اوصلونا" المهم اعتدوا على الرجل بالضرب المبرح واطلقوه فماكان منه إلا الإستنجاد باصدقائه ليأتوا معه ليثأر لكرامته))
من المؤسف أن يكون تفكير المثقف بهذه السذاجة ! مؤسف جداً أن يشارك فعلياً على توسعة الشرخ وتعميقه مع إننا كنّا نظن أنهم هم من سينقذ الناس من هذا الشر ويتولى ردم هذه الهوة بين الشمال والجنوب التي أحدثها الساسة خلال 24 عام مضت.
(("المهم اعتدوا على الرجل بالضرب المبرح واطلقوه فما كان منه إلا الإستنجاد باصدقائه ليأتوا معه ليثأر لكرامته"))
الترويج لهذه الجملة وحدها كافي لأن تنزع صفة إنسان من أيً كان أن قبل بها سواء بالنشر أو الاستدلال فيها لتبرير موقف ، فما بالكم بمثقف !!
ساحة العروض مثلها مثل غيرها من الساحات لها لجنة أمنية أو ما شابهها اشتبهت بشخص احتجزته ثم أطلقته، هذا أمر ممكن ومعقول في هذا الوضع الذي نعيشه.. مسألة الضرب أمر مدان ومستهجن ولكن حتى وإن ضُرب، ضرب مبرّح هل أصبحت أروح الجنوبيين رخيصة إلى هذه الدرجة في نظر المثقف الذي رأى إن عملية قتل شخص وإصابة أربعة أمر عادي وإن هذا الفعل مقابل ذاك، أيعقل تبريره لحدث بهذه الطريقة الهمجية للعصابات والمليشيات القبلية "الطارف غريم"؟؟؟
ماذا عن الطبيب العدني الذي قتله الحوثيون في صنعاء بمجرد الاشتباه؟؟ لم يدخل ساحتهم بسلاحه.. لحيته فقط كانت دليل شُبهه كافي لقتله في نظر الجماعة وتبرير المثقف الذي تلا الجريمة..إذ قال الخيواني حينها إن (الجماعة) ستحقق في الموضوع يعني القاتل هو الخصم والحكم بنفس الوقت.. لا أدري من متى أصبح القاتل ينصف ضحاياه مع أن المثقف يردد هذا بكل ثقة ؟؟
معقول إلى هذه الدرجة وصل الاستخفاف بأرواح البشر في نظر المثقف ! لم يكن تداول هذه الرواية من قبل الخيواني وغيره لتبرير موقف بقدر ما كان تأكيد قبيلي يصطف إلى جانب ابن قبيلته الذي أخذ بالثّأر من غريمه. هكذا بهذه الطريقة التي أقل ما يُقال عنها (وقاحة) يستمر المثقف بهدم ما بقي من جسور لمحبة بين مواطني الجنوب والشمال، والترويج لهذه الرواية ليس أمراً عادياً فهو عبارة عن تدشين لمرحلة أخطر وهي "الثأر للكرامة" بالطريقة الهمجية القبلية -حسب ما جاء في المنشور- وهذا يعني أن كل شمالي غريم كما كان كل جنوبي غريم في ساحة العروض الذي أعتبره المثقف ثأر للكرامة ! للعلم أن الجنوب مليء بالمواطنين من أبناء المحافظات الشمالية والذين لهم مصالح ومنافع يمارسونها دون أن يعترضهم أحد حتى الماء والبيبسي وجميع المشروبات والأعلام والشعارات وإلى آخر يبيعها مواطن شمالي في مظاهرات وساحات الجنوب. وما يروج له هذا المثقف خطر مباشر عليهم.
على ما يبدو إننا على أبواب داحس والغبراء جديدة في اليمن، حرب قبلية انتقامية ثأرية يروج لها المثقفون من الآن مع الأسف
زمان كانت لنا اعياد
أول صورة علقت في الذاكرة منذُ أن أدركت الحياة هي عندما كنت أرى أبي يومياً في المدرسة، كنتُ أحلم أن أصبح يوماً ما مثلهُ، أحمل حقيبة المعلم، كان يعتريني أمل بطفولتي أن أحمل الراية بعده وأوصِل هذه الرسالة العظيمة للأجيال المتعاقبة!! وعندما كنتُ أرى عمي ورفاقه، كل خميس عائدون إلى قريتنا من عاصمة المركز سابقاً - المديرية حالياً- لقضاء أجازة الأسبوع، كان الحلم يكبر ويتسع لأن أكون طبيباً أو مساعد طبيب أو أي وظيفة تنقلني من أجواء القرية المتكررة والرتيبة إلى العالم الخارجي – الذي كان أبلغ مدى لهُ في مخيلتي، هي عاصمة المركز (العوابل)- بعد أن يضع عمي حقيبته ويبدأ بالحديث، أسمع إليه بإنصات وأغمض عيناي وأقوم بدور الطبيب في مخيلتي.. كان الحلم يأخذني إلى هناك ، أتجول في أرجاء عيادات مستشفى لم أره من قبل..!
وقبل إجازة العيد بأيام قليله، رأيت العساكر عائدين من معسكراتهم، فكبر الحلم أكثر وأتسع عالمي –الذي كان أقصى حدوده لا يتعدى عاصمة المركز- وبدأت أطمح إلى ما هو أبعد منها، أصبح حلمي أن أرتدي البدلة العسكرية، فيسرح خيالي بين عدن وحضرموت مرورا بكل المحافظات حسب الوصف وما كنتُ أسمع منهم. "بتلكؤ" وإصرار طالبت أبي أن تكون ملابس العيد عسكرية..لأعيش الدور.. لم يتأخر وفر لي الطلب فوراً. بعد أن أأخذ جرعة من النشوة والشعور بالزهو والأنفة عندما أقف أمام المرآة أستعدّ للخروج.. أرافق أبي إلى المسجد، لنصلي العيد، أجلس على أحر من الجمر أنتظر آخر تكبيرة..ثم أصطف مع الطابور الطويل عقب الصلاة، يمر الجميع أمامي بابتسامة عريضة، مرددين : <<من العايدين، ومستقبل زاهر أن شاء الله>> وأنا أعيش غمرة النشوة (هيبة البدلة) ويكبر بداخلي حلم المستقبل الزاهر كلّما سمعتهم يرددوه.
ما أن تخلص مراسيم المعاودة، أنطلق لأستعرض في الشوارع والأزقة، أتخيل نفسي كأحد ضباط العسكرية العائدين قبل أيام للمشاركة في العيد. بعد أن أشعر بالملل من المرح واللعب و"القوارح" أترقب كما هو حال كل الأطفال في سني مفاجآت تنتظرنا مع الظهيرة.. لحظات يختلط فيها الشعور ويمتزج الفرح بالخوف، نترقب حدثٌ كبير سنكون على موعدا معه ككل الأعياد بعد ساعات الظهيرة..! ننتظر هذا الحدث بفارغ الصبر ليطل علينا "أمير العيد" ذاك المهرجان الكرنفالي المحكوم عليه بالإعدام حالياً، تحت حجة <<بدعة، وكل بدعة ضلالة>>. شنقوه بلا رحمة..!
ذلك المهرجان الذي كان يبهج أهل القرية جميعاً صغيرهم وكبيرهم ويرسم على وجوههم الأبتسامه، ينزل فيه شخص مقنّع يمسك بيده ذيل الثور ويضرب كل من يقابل أمامه برفق والناس خلفه يرددون الزوامل الشعبية. هذا بالإضافة إلى حفلات البال التي ترافق أيام العيد وما قبلهُ من سهرات ومباهج، كل هذا التراث الجميل حكموا عليه بالإعدام وشنقوه أيضاً بدافع ديني لم يُنزل به الله من سلطان، كما شنقوا الوطن والدولة.. حتى أعيادنا لم تسلم منهم، مرت من فوقها جنازير ثقافتهم الظلامية، الوجه الآخر لجنازير دباباتهم الآلية التي مرت فوق أجساد أهلنا في كل مكان. من ثم بعد أن نخلّص فقرة "أمير العيد" تُنصّب الشبكة ويلعب الكبار كرة الطائرة أو كما نسميها (شبكة) ونحن نشاهد ونقلد الحركات.. حينها لم يكن أحدا يفكر بالقات شباباً وكبار ما عدى مجموعة بسيطة من الطاعنين بالسن لا يتعدوا الخمسة أشخاص فقط هم من يتناوله.. أما البقية لم يكن لهم على بال.
هكذا وأكثر كانت لنا أحلام وتطلعات للمستقبل دون شوائب، كان الوطن يحمل بأحشائه جيل جديد <على بعد خطوات من التمدن>.. لكن تم وأده في المهد..! كابوس 7يوليو 1994م كان انتصارا للجهل والتخلف <المشروع الذي يحمله اللصوص>، وتاريخ وفاة للوحدة وأحلام روادها القوميين، وأيضاً كان تاريخ شهادة وفاة لتلك الأحلام البسيطة التي كنتُ أحملها في الطفولة قبل هذا التاريخ لم نكن نفكر بشيء آخر، كانت الطمأنينة تسود القلوب..وكانت المدنية هي من تزحف نحو الأرياف، عكس ما يحدث الآن تماماً، بل وصلت الأرياف إلى مرحلة لا بأس بها من التمدن، وأعتاد أهل القرى السلوك المدني.
كانت الدولة كقوى بشرية حاضرة، وهيبتها وروحها أيضاً حاضرة، في المدن والأرياف والشعاب والوديان، والقانون هو السيد في ذاك الزمان، يُطبق على الجميع بلا هوادة.. لا يستثني أحد. كانت تنزل فرق بيطرية لمعالجة الأبقار والأغنام وكل ما لهُ علاقة، فما بالك بالإنسان!! حينها رغم صغر السن إلا إننا نشعر أن من حولنا حياة تليق بالإنسان، تعليم، صحة، عيش كريم، كنّا نشعر بإنسانيتنا ونستمتع بالحياة. دعوه أخيرة: من يبلغ عنا بن عُبادة إن بقي في هذا العالم بن عُبادة أصلاً..!! نحن جيل النكبة .. قولوا له أن حزننا كحزن اليمامة في أبيها، وإن جوابنا كجوابها على بن عُبادة..أريد أبي حياً..!!
إلا أن عودة أبينا ليس كعودة أبيها مستحيلة..الدولة هي الأب والأمل الوحيد لنا في هذه الحياة، بإمكانكم إنصافنا وإعادة المياه إلى مجاريها، بأي الطرق والوسائل. من أجل الإنسان، من أجل الحياة، من أجل هذا العالم، قبل أن تتحول أجساد هذا الجيل إلى حشوات توزع الموت بعد أن كان يختبئ فيها حلم واعد بالحياة والخير للإنسانية أجمع ولكل ما له صلة بهما.
وقبل إجازة العيد بأيام قليله، رأيت العساكر عائدين من معسكراتهم، فكبر الحلم أكثر وأتسع عالمي –الذي كان أقصى حدوده لا يتعدى عاصمة المركز- وبدأت أطمح إلى ما هو أبعد منها، أصبح حلمي أن أرتدي البدلة العسكرية، فيسرح خيالي بين عدن وحضرموت مرورا بكل المحافظات حسب الوصف وما كنتُ أسمع منهم. "بتلكؤ" وإصرار طالبت أبي أن تكون ملابس العيد عسكرية..لأعيش الدور.. لم يتأخر وفر لي الطلب فوراً. بعد أن أأخذ جرعة من النشوة والشعور بالزهو والأنفة عندما أقف أمام المرآة أستعدّ للخروج.. أرافق أبي إلى المسجد، لنصلي العيد، أجلس على أحر من الجمر أنتظر آخر تكبيرة..ثم أصطف مع الطابور الطويل عقب الصلاة، يمر الجميع أمامي بابتسامة عريضة، مرددين : <<من العايدين، ومستقبل زاهر أن شاء الله>> وأنا أعيش غمرة النشوة (هيبة البدلة) ويكبر بداخلي حلم المستقبل الزاهر كلّما سمعتهم يرددوه.
ما أن تخلص مراسيم المعاودة، أنطلق لأستعرض في الشوارع والأزقة، أتخيل نفسي كأحد ضباط العسكرية العائدين قبل أيام للمشاركة في العيد. بعد أن أشعر بالملل من المرح واللعب و"القوارح" أترقب كما هو حال كل الأطفال في سني مفاجآت تنتظرنا مع الظهيرة.. لحظات يختلط فيها الشعور ويمتزج الفرح بالخوف، نترقب حدثٌ كبير سنكون على موعدا معه ككل الأعياد بعد ساعات الظهيرة..! ننتظر هذا الحدث بفارغ الصبر ليطل علينا "أمير العيد" ذاك المهرجان الكرنفالي المحكوم عليه بالإعدام حالياً، تحت حجة <<بدعة، وكل بدعة ضلالة>>. شنقوه بلا رحمة..!
ذلك المهرجان الذي كان يبهج أهل القرية جميعاً صغيرهم وكبيرهم ويرسم على وجوههم الأبتسامه، ينزل فيه شخص مقنّع يمسك بيده ذيل الثور ويضرب كل من يقابل أمامه برفق والناس خلفه يرددون الزوامل الشعبية. هذا بالإضافة إلى حفلات البال التي ترافق أيام العيد وما قبلهُ من سهرات ومباهج، كل هذا التراث الجميل حكموا عليه بالإعدام وشنقوه أيضاً بدافع ديني لم يُنزل به الله من سلطان، كما شنقوا الوطن والدولة.. حتى أعيادنا لم تسلم منهم، مرت من فوقها جنازير ثقافتهم الظلامية، الوجه الآخر لجنازير دباباتهم الآلية التي مرت فوق أجساد أهلنا في كل مكان. من ثم بعد أن نخلّص فقرة "أمير العيد" تُنصّب الشبكة ويلعب الكبار كرة الطائرة أو كما نسميها (شبكة) ونحن نشاهد ونقلد الحركات.. حينها لم يكن أحدا يفكر بالقات شباباً وكبار ما عدى مجموعة بسيطة من الطاعنين بالسن لا يتعدوا الخمسة أشخاص فقط هم من يتناوله.. أما البقية لم يكن لهم على بال.
هكذا وأكثر كانت لنا أحلام وتطلعات للمستقبل دون شوائب، كان الوطن يحمل بأحشائه جيل جديد <على بعد خطوات من التمدن>.. لكن تم وأده في المهد..! كابوس 7يوليو 1994م كان انتصارا للجهل والتخلف <المشروع الذي يحمله اللصوص>، وتاريخ وفاة للوحدة وأحلام روادها القوميين، وأيضاً كان تاريخ شهادة وفاة لتلك الأحلام البسيطة التي كنتُ أحملها في الطفولة قبل هذا التاريخ لم نكن نفكر بشيء آخر، كانت الطمأنينة تسود القلوب..وكانت المدنية هي من تزحف نحو الأرياف، عكس ما يحدث الآن تماماً، بل وصلت الأرياف إلى مرحلة لا بأس بها من التمدن، وأعتاد أهل القرى السلوك المدني.
كانت الدولة كقوى بشرية حاضرة، وهيبتها وروحها أيضاً حاضرة، في المدن والأرياف والشعاب والوديان، والقانون هو السيد في ذاك الزمان، يُطبق على الجميع بلا هوادة.. لا يستثني أحد. كانت تنزل فرق بيطرية لمعالجة الأبقار والأغنام وكل ما لهُ علاقة، فما بالك بالإنسان!! حينها رغم صغر السن إلا إننا نشعر أن من حولنا حياة تليق بالإنسان، تعليم، صحة، عيش كريم، كنّا نشعر بإنسانيتنا ونستمتع بالحياة. دعوه أخيرة: من يبلغ عنا بن عُبادة إن بقي في هذا العالم بن عُبادة أصلاً..!! نحن جيل النكبة .. قولوا له أن حزننا كحزن اليمامة في أبيها، وإن جوابنا كجوابها على بن عُبادة..أريد أبي حياً..!!
إلا أن عودة أبينا ليس كعودة أبيها مستحيلة..الدولة هي الأب والأمل الوحيد لنا في هذه الحياة، بإمكانكم إنصافنا وإعادة المياه إلى مجاريها، بأي الطرق والوسائل. من أجل الإنسان، من أجل الحياة، من أجل هذا العالم، قبل أن تتحول أجساد هذا الجيل إلى حشوات توزع الموت بعد أن كان يختبئ فيها حلم واعد بالحياة والخير للإنسانية أجمع ولكل ما له صلة بهما.
عندما يغيب الوعي يبرز المشعوذين
بدايةً إذا أخذنا على سبيل المثال أن شخص وصل إلى مرحلة معينة من العمر فتوقف نموه نتيجةً لمرض عضوي أصابه، فالأمر يتوقف على المعنيين بأمره إذا كانوا عقلاء وأهل وعي سيتولى أمره أطباء مختصين لتشخيص حالته، ثم بعد ذلك علاجه، إما أن كانوا جهلة مؤمنين بالشعوذة سيقنعون أنفسهم أنه "مسحور" ويتولى أمره المشعوذين. وأينما غاب الوعي تتسيّد الشعوذة وتتحكم بتفاصيل المشهد وتضبط إيقاعه، ويصبح المشعوذين هم أصحاب الكلمة العليا والقول الفصل في كل الأمور، وأي رأي منطقي يستند إلى العقل يعارض أو يحاول تصحيح هذه المفاهيم السائدة يصبح منبوذ وغير مرحب فيه. طبعاً هذا إذا افترضنا أن هناك من يستطيع قوله..!
لأن ذلك في واقع الحال شيء مستحيل حدوثه.. ومن يجرؤ أن يقف بوجه الشعوذة في ظل إيمان عامة الناس بها! ما يؤسف أن هذا الوضع هو الوضع السائد في الجنوب وأن الثورة هي هذا الشخص، بدلاً من أن يتدخل المختصّين لعلاجها، شوّه جسدها المشعوذين بالكيّ، ومن يستطيع أن يقف أمام هذا العبث! في ظل إيمان الناس به. الثورة وقفت خطواتها عند المهرجانات ولم تتقدم بعد ذلك خطوةٌ وأحده، منذُ سنوات وهي على هذا الحال تدور حول نفسها في ظل غياب مشروع فكري يهديها السبيل، وأيضاً غياب الوعي والحامل السياسي المنظم الذي يؤخذ على عاتقه تطلعات الجماهير وأهدافهم ويبحر بها إلى بر الأمان.
صحيح أن المهرجانات مهمة وضرورية، وصحيح أيضا أن الشعب من خلالها يقول أنا هنا وأنا مالك الأرض وسيدها، ولكن هناك ثمة شيء أهم وأعمق من ذلك بكثير وهو إيجاد مشروع فكري متكامل يحدث ثورة فكرية تحرر الجماهير من دائرة الجهل السياسي والتبعية للأشخاص إلى الوعي والعمل الجماعي المنظم الغير خاضع للأهواء والرغبات، تقوده مجموعه من النخب المثقفة والأكاديمية المختصة والمخلصة.
أن انشغال المشعوذين بالتسابق على المنصات وإعلان المهرجانات وتشكيل اللجان التحضيرية لسّيطرة على الجماهير واستغلالها لأهداف وحسابات خاصة -تخصهم وتخص مستقبلهم السياسي الشخصي- دون أي اكتراث بالوطن وشؤونه وإن أبدوا ذلك فهم بالحقيقة لا همّ لهم إلا التسويق لأنفسهم طمعاً بالكعكة التي يرون أنها بدأت تنضج بجهود هذه الجماهير المغلوب على أمرها. رغم هذه العجز الواضح والعقم الظاهر للعيان إلا إننا لم نر أحداً يقيّم المراحل السابقة للوقوف على نقاط السلب والإيجاب فيها، ولم نرى أحدا يسأل ما هي أسبابه ومسبباته..
ثم يبحث عن إجابة منطقية ومقنعه على ضوئها يرسم سياسة معيّنة وواضحة المعالم للخروج من هذا المأزق الذي طال أمده وضاق الناس ذرعاً منه ! لم نرى أي خطوات عملية ملموسة يشعر بها الناس، مذ سنوات والجميع يدور حول نفسه، كلّما في الأمر هو مزيداً من الوعود والخطابات وبيع الوهم.. والمصيبة الكبرى أن الغالبية سلموا وآمنوا أيمان لا يساوره شك إن الشعوذة هي الحل، وصدقوا إن الثورة تتخبط نتيجة قدرة الخصم على اختراقها والعبث فيها واقتنعوا بهذا التوصيف رغم أنه أوهن وأضعف من أن يخترق إرادة الشعب أن استُغلت استغلالاً صحيحاً.
ويظنّوا أن كل ما يدور هو نتيجة لمفعول السحر الذي ألقاه، وبنفس الوقت يتجاهلون الوقائع والحقائق الموجودة على الأرض دون إدراكها أو محاولة فهمها وفهم الأسباب الحقيقية التي أعاقت الثورة وقيدتها، بل يرفضوا ويجرّموا أي تشخيص موضوعي يكشف حقيقة المرض الذي تعاني منه ويعتبروا هذا مساس بالثوابت الوطنية وخيانة عظمى في حق الوطن والشعب. قبل الختام نعود إلى الوراء قليلاً لتّأمل: من المعروف أن الفكر الاشتراكي يقوم على التفاؤل بحتمية الانتصار، وهذا التفاؤل المفرط الذي لا يؤخذ بعين الاعتبار الحقائق كان وراء انهيار كل البلدان الاشتراكية! ولأننا كنّا جزء من هذه الدول ونُخبنا مشبّعة بهذا الفكر فقد ذهبنا إلى الوحدة نحمل التفاؤل وحده فقط، دون تدرّج بخطوات مدروسة ومحسوبة مسبقاً وحينذاك حدث ما حدث.
وهذا الشيء أيضاً ما نخشاه أن يحدث في طريق العودة. الاعتماد على التفاؤل بحتمية الانتصار أو شعارات حتماً سننتصر لا تنتج الانتصار.. هناك فجوه سياسية وفكرية كبيرة في طريق العبور إلى المستقبل وتجاهلها الآن دون العمل على ردمها، يعني إننا أمام كارثة أخرى تنتظرنا لا تقل خطراً عن الأولى!
لأن ذلك في واقع الحال شيء مستحيل حدوثه.. ومن يجرؤ أن يقف بوجه الشعوذة في ظل إيمان عامة الناس بها! ما يؤسف أن هذا الوضع هو الوضع السائد في الجنوب وأن الثورة هي هذا الشخص، بدلاً من أن يتدخل المختصّين لعلاجها، شوّه جسدها المشعوذين بالكيّ، ومن يستطيع أن يقف أمام هذا العبث! في ظل إيمان الناس به. الثورة وقفت خطواتها عند المهرجانات ولم تتقدم بعد ذلك خطوةٌ وأحده، منذُ سنوات وهي على هذا الحال تدور حول نفسها في ظل غياب مشروع فكري يهديها السبيل، وأيضاً غياب الوعي والحامل السياسي المنظم الذي يؤخذ على عاتقه تطلعات الجماهير وأهدافهم ويبحر بها إلى بر الأمان.
صحيح أن المهرجانات مهمة وضرورية، وصحيح أيضا أن الشعب من خلالها يقول أنا هنا وأنا مالك الأرض وسيدها، ولكن هناك ثمة شيء أهم وأعمق من ذلك بكثير وهو إيجاد مشروع فكري متكامل يحدث ثورة فكرية تحرر الجماهير من دائرة الجهل السياسي والتبعية للأشخاص إلى الوعي والعمل الجماعي المنظم الغير خاضع للأهواء والرغبات، تقوده مجموعه من النخب المثقفة والأكاديمية المختصة والمخلصة.
أن انشغال المشعوذين بالتسابق على المنصات وإعلان المهرجانات وتشكيل اللجان التحضيرية لسّيطرة على الجماهير واستغلالها لأهداف وحسابات خاصة -تخصهم وتخص مستقبلهم السياسي الشخصي- دون أي اكتراث بالوطن وشؤونه وإن أبدوا ذلك فهم بالحقيقة لا همّ لهم إلا التسويق لأنفسهم طمعاً بالكعكة التي يرون أنها بدأت تنضج بجهود هذه الجماهير المغلوب على أمرها. رغم هذه العجز الواضح والعقم الظاهر للعيان إلا إننا لم نر أحداً يقيّم المراحل السابقة للوقوف على نقاط السلب والإيجاب فيها، ولم نرى أحدا يسأل ما هي أسبابه ومسبباته..
ثم يبحث عن إجابة منطقية ومقنعه على ضوئها يرسم سياسة معيّنة وواضحة المعالم للخروج من هذا المأزق الذي طال أمده وضاق الناس ذرعاً منه ! لم نرى أي خطوات عملية ملموسة يشعر بها الناس، مذ سنوات والجميع يدور حول نفسه، كلّما في الأمر هو مزيداً من الوعود والخطابات وبيع الوهم.. والمصيبة الكبرى أن الغالبية سلموا وآمنوا أيمان لا يساوره شك إن الشعوذة هي الحل، وصدقوا إن الثورة تتخبط نتيجة قدرة الخصم على اختراقها والعبث فيها واقتنعوا بهذا التوصيف رغم أنه أوهن وأضعف من أن يخترق إرادة الشعب أن استُغلت استغلالاً صحيحاً.
ويظنّوا أن كل ما يدور هو نتيجة لمفعول السحر الذي ألقاه، وبنفس الوقت يتجاهلون الوقائع والحقائق الموجودة على الأرض دون إدراكها أو محاولة فهمها وفهم الأسباب الحقيقية التي أعاقت الثورة وقيدتها، بل يرفضوا ويجرّموا أي تشخيص موضوعي يكشف حقيقة المرض الذي تعاني منه ويعتبروا هذا مساس بالثوابت الوطنية وخيانة عظمى في حق الوطن والشعب. قبل الختام نعود إلى الوراء قليلاً لتّأمل: من المعروف أن الفكر الاشتراكي يقوم على التفاؤل بحتمية الانتصار، وهذا التفاؤل المفرط الذي لا يؤخذ بعين الاعتبار الحقائق كان وراء انهيار كل البلدان الاشتراكية! ولأننا كنّا جزء من هذه الدول ونُخبنا مشبّعة بهذا الفكر فقد ذهبنا إلى الوحدة نحمل التفاؤل وحده فقط، دون تدرّج بخطوات مدروسة ومحسوبة مسبقاً وحينذاك حدث ما حدث.
وهذا الشيء أيضاً ما نخشاه أن يحدث في طريق العودة. الاعتماد على التفاؤل بحتمية الانتصار أو شعارات حتماً سننتصر لا تنتج الانتصار.. هناك فجوه سياسية وفكرية كبيرة في طريق العبور إلى المستقبل وتجاهلها الآن دون العمل على ردمها، يعني إننا أمام كارثة أخرى تنتظرنا لا تقل خطراً عن الأولى!
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)



